في مشهد يلخص معاناة المؤسسة قبل الأفراد، تكشف حادثة داخل معسكر تدريب "سوات" في ذي قار واقعاُ مقلقاُ يتجاوز حدود الانضباط ليقترب من العزلة القسرية. هناك حيث يُفترض أن تُصقل الجاهزية، سقط أحد المنتسبين ضحية مزيج خطير من الضغط البدني المفرط وقرارات إدارية قطعت آخر خيط يربطه بعائلته.
الحادثة لم تبدأ بإنذار، بل بانهيار مفاجئ خلال دورة تدريبية شاقة تمتد لشهرين متواصلين دون انقطاع. المنتسب وهو من أهالي قضاء سوق الشيوخ، تعرض لجلطة دماغية حادة أدت إلى عجز واضح في أطرافه. لم تكن الواقعة مجرد حالة طبية طارئة، بل لحظة كشفت خللاُ عميقاُ في بيئة التدريب وآليات التعامل مع الطوارئ.
العجز لم يكن جسدياُ فقط، بل امتد إلى النظام نفسه. زملاؤه الذين شهدوا اللحظة لم يكونوا عاجزين عن المساعدة، لكن قرار منع حيازة الهواتف داخل المعسكر جعلهم شهوداُ صامتين، بلا وسيلة للتواصل أو طلب الإغاثة. في تلك اللحظات الحرجة، لم يكن الخطر في الجلطة وحدها، بل في العزلة المفروضة التي تضاعف من حجم الكارثة.
ومن المعسكر إلى المستشفى، استمرت فجوة الصمت. إذ نُقل المصاب بحالة حرجة إلى مستشفى الناصرية العام، حيث بقي ثلاث ساعات كاملة دون علم عائلته. ثلاث ساعات من القلق المجهول في زمن باتت فيه المعلومة تصل بضغطة زر، وكأن التواصل أصبح امتيازاُ لا حقاُ.
هذا الواقع يفرض تساؤلات حادة: هل ما يجري مجرد إجراء تنظيمي، أم عزل خطير يهدد سلامة المنتسبين؟ حين يُحرم الفرد من وسيلة الاتصال، لا يُسلب هاتفه فقط، بل يُسلب معه الشعور بالأمان. وفي لحظات الخطر، يتحول هذا القرار من تنظيم إداري إلى تهديد مباشر للحياة.
من هنا، ترتفع تساؤلات مشروعة أمام الجهات المعنية: كيف لمؤسسة أمنية أن تعجز عن توفير أبسط ضمانات الطمأنينة لمنتسبيها؟ وكيف يُترك إنسان في ردهات مستشفى دون أن يصل صوته إلى أهله؟ هذه الحادثة لا يمكن التعامل معها كواقعة فردية، بل هي جرس إنذار يكشف أن الصمت الإداري قد يكون أخطر من أي إصابة.
الحقيقة الثابتة أن الحادثة وقعت وأن المنتسب لا يزال يعاني من آثارها نتيجة الإجهاد والظروف المحيطة، وأن غياب وسائل التواصل ساهم في تعميق الأزمة. وهي مسؤولية لا يمكن تجاهلها أو تجزئتها.
المطلوب اليوم ليس تبريراُ، بل تحرك عاجل. إعادة النظر في قرارات العزل وضمان الحد الأدنى من التواصل، لم تعد مسألة رفاهية، بل ضرورة إنسانية. فمَن يُطلب منه حماية الوطن، لا يجوز أن يُترك وحيداُ حين يسقط.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!