بالنظر لعدم وجود مساحةٍ دستوريةٍ ولا دراساتٍ دستوريةٍ تُكيِّف الوضع الدستوري للأنظمة الذكية؛ فيبدو من الأهمية بمكانٍ التفكير في إيجاد أسسٍ دستوريةٍ لتنظيم هذه الأنظمة؛ ومؤدى ذلك كله سيسهم بالمحصِّلة في دسترتها وتنظيمها دستورياً.
الأُسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي
ثمة أُسسٌ دستوريةٌ يمكن أنْ نقترحها بغية تنظيم الذكاء الاصطناعي، يمكن إجمالها بالآتي :
1. سيادة القانون في الفضاء الرقمي :
يجب أن يمتد المبدأ أو الأساس الدستوري المتمثل بـ (سيادة القانون) ليشمل الفضاء الرقمي والأنظمة الذكية.وبمقتضى ذلك ينبغي خضوع الأنظمة الذكية للدستور من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى خضوع الخوارزميات للمساءلة القانونية.فكما أنَّ السلطات العامة تخضع للدستور،فكذا يجب أن تخضع الأنظمة الذكية لإطارٍ دستوريٍ يحمي القيم المجتمعية الأساسية ويكفل مساءلتها القانونية.فالسيادة للقانون، ويتعيَّن خضوع الأنظمة الذكية له وعدم خروجها عنه أو عن السيطرة البشرية.ولعلَّ الأمر يزداد خطورةً حينما نسمع أن شركة (x space) المملوكة ل (إيلون ماسك) قد أعلنت قبل أيام عن سعيها لإطلاق مشروعٍ فضائيٍّ ضخم لنقل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء بدلاً من الأرض.فإذا كان الذكاء الاصطناعي بهذه الخطورة وهو في الأرض، فماذا سيحدث لو نُقلت بياناته كلها إلى الفضاء الخارجي، ومَنْ ذا الذي يضمن قدرة البشر على السيطرة عليه وعدم انفلاته أو تمرُّده؟! وقد أشار إلى هذه المخاوف عرَّاب الذكاء الاصطناعي (جيفري هينتون) الذي استقال من العمل في شركة (Google)، وأبدى ندمه على أنه عمل في الذكاء الاصطناعي وطوَّره، ثم أردف قائلاً : ((إنَّ البشرية لا تعرف إلى أين تتجه .. إنَّ الإصدارات المستقبلية للذكاء الاصطناعي قد تمثل تهديداً للبشرية.. ربما يصبح هذا يوماً ما سلاحاً قاتلاً)).وهو كلامٌ يتفق مع ما أطلقهُ مختصّون كُثر، ومع ما أطلقه المفوض الأممي لحقوق الإنسان (فولكر تورك) من تحذيرٍ بهذا الشأن،إذ قال في اجتماع مجلس حقوق الإنسان الأخير المنعقد في جنيف: ))إنَّ الذكاء الاصطناعي المتقدم قد يمثِّل خطراً وجودياً على البشرية)).
وبناءً على ذلك لا بدَّ من سريان مبدأ أو أساس (سيادة القانون) على هذه الأنظمة حيثما حلَّت، وضمان السيطرة عليها وعدم انفلاتها.
2. الكرامة الإنسانية :
تُمثلُّ الكرامة الإنسانية أساسًا دستوريًا جامعًا في أغلب الدساتير الحديثة، وهي تفرض ما يأتي :
• عدم اختزال الإنسان في بياناتٍ رقمية.
• عدم إخضاعه لقراراتٍ آليةٍ محضة تمسُّ مصيره دون تدخلٍ بشري.
وعليه فإنَّ الاستعمال غير المقيَّد للذكاء الاصطناعي في مجالاتٍ حسَّاسةٍ، كالقضاء أو الأمن، قد يمثِّل مساسًا جوهريًا بالكرامة الإنسانية.
3. حماية الحقوق والحريات الأساسية :
يطرح الذكاء الاصطناعي تحدياتٍ جذريةً للحقوق الدستورية التقليدية والحديثة، مثل :
أ-الحق في الخصوصية :
يقوم الذكاء الاصطناعي في جوهرهِ على جمع وتحليل البيانات، وهو ما يضعه في تماسٍ مباشر مع الحق في الخصوصية وسرية الحياة الخاصة وحماية البيانات الشخصية.وتعدُّ هذه الحقوق من الحقوق الدستورية (الجيل الرابع)، ما يفرض قيودًا دستوريةً على استخدام الخوارزميات، وبخاصةٍ من قبل السلطات العامة.من هنا لا يجوز للأنظمة الذكية هتك خصوصية الإنسان أو نشر بياناته الشخصية دون موافقته.كما ينبغي سد الثغرات التي ينفذ من خلالها البعض لاختراق الخصوصية، كما حدث قبل مدةٍ وجيزةٍ حينما قام مهندسٌ إسبانيٌّ باختراق خوادم شركة (dji) المصنِّعة للمكنسات الذكية، فاستطاع التحكم بسبعة آلاف مكنسةٍ ذكية في 24 دولةٍ حول العالم يُحرِّكها كيفما يشاء، ومشاهدة البث المباشر عن طريق فتح الكاميرا، والاستماع لما يدور من أحاديث عبر فتح ميكرفونات المكنسة، والاطِّلاع على خرائط المنازل وتحديد مواقعها بدقةٍ. فأية خصوصيةٍ تبقى مع هذا التجسُّس والتلصُّص العلني!!
ثم لا بدَّ من إيجاد الحلول الناجعة التي تحول دون تطوير الذكاء الاصطناعي من تلقاء ذاته إلى درجةٍ تجعله يخترق حسابات الآخرين دون أوامر يتلقاها، كما حصل في الاختراق الذي حصل قبل أيامٍ عدة حينما طوَّرت شركة (open AI) المالكة لتطبيق (Chat GPT) نموذجاً قام بتطوير ذاته ثم قام باختراق حسابات شركة (Hugging Face) في قضيةٍ أرعبت كلَّ المختصِّين في هذا المجال ودقَّت ناقوس الخطر من إمكانية قيام هذه النماذج باختراق الحسابات المالية والأمنية، ما سيتسبَّب في زعزعة العالم برمته وفقدان الشعور بالأمان والحرمان من الخصوصية !!
ب- الحق في المساواة وعدم التمييز:
تُظهر التجارب العملية أنَّ بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج تحيزًا خوارزميًا أو تمييزًا غير مباشرٍ ضد فئاتٍ معينة ؛ الأمر الذي يجعل مبدأ المساواة وعدم التمييز أساسًا دستوريًا حاسمًا في تقويم مشروعية هذه الأنظمة.
ج-الحق في التعليم :
إعمالاً لحق الإنسان في التعليم، لا ينبغي القبول باحتكار الأنظمة الذكية لمصادر العلم، ولا بدَّ من الوقوف بقوةٍ ضد ما تقوم به بعض الشركات الكبرى من شراء ملايين الكتب، ولا سيما الأصيلة منها والمراجع القديمة والمخطوطات النادرة، بغية مسحها ضوئياً وتغذيتها للذكاء الاصطناعي ومن ثمَّ إتلافها كي لا تبقى نسخٌ منها يمكن للبشرية الرجوع إليها-عبر عمليةٍ تُعرف بـ (المسح التدميري)-.وكل ذلك يأتي في إطار سعي هذه الشركات لاحتكار مصادر العلم وحرمان البشرية منها.وعلى الرغم من خطورة هذا الموضوع بيد أنه للأسف غير مُلتَفت إليه وغير مُعالَج !!
د- الحق في حرية التعبير:
مع استعمال خوارزمياتٍ معينةٍ قد تتحكم في تدفق المعلومات فإنها قد تؤثر في حرية التعبير بصورةٍ أو أخرى.
ه- الحق في العيش في بيئةٍ سليمةٍ :
يعدُّ الحق في العيش في بيئةٍ سليمةٍ من الحقوق الدستورية الحديثة، وقد نظَّمه الدستور العراقي في المادة (33).وفي هذا الشأن يُشير بعض الخبراء إلى أنَّ أنظمة الذكاء الاصطناعي تتسبَّب في حدوث كوارث مناخيةٍ وتفضي إلى مزيدٍ من سوء الأحوال الجوية بسبب الحرارة العالية المنبعثة من الخوادم العملاقة وبسبب إطلاقها لغاز ثاني أوكسيد الكاربون على نطاقٍ واسع-قدَّرتها بعض الدراسات بنحو 280 طن-.ناهيك عن استهلاك هذه الأنظمة لمليارات اللترات من مياه الشرب سنوياً -مياه الشرب حصراً وليس مياه البحر- لغرض التبريد (ُقدِّر صرفها بحسب بعض الدراسات بنحو 700 مليار لتر في سنة 2025، وهو رقم قد يوازي ما استهلكه البشر من المياه المعبئة).وكلُّ ذلك يُسهم في حرمان الإنسان من حقه في العيش بيئةٍ سليمةٍ.
4. الأسس الدستورية الاقتصادية والاجتماعية ، مثل :
أ- الحق في العمل:
تُمثلُّ الأنظمة الذكية تحدياً جدِّياً وخطيراً لحق الإنسان في العمل، وهذا ما أثبتته التجارب العملية في دول العالم قاطبةً، إذ نشاهد ونسمع يومياً الاستغناء عن خدمات الكثير من العاملين بسبب تطور الروبوتات والذكاء الاصطناعي وسهولة الاستعانة بها ؛ لذا لا بدَّ من مواجهةِ إحلال الأنظمة الذكية محل الأيدي العاملة البشرية وإيجاد حلولٍ جديةٍ تحول دون ذلك ؛ وإلاَّ فالبطالة ستكون شبحاً يهدِّد البشرية في المستقبل القريب لا البعيد.
ب- العدالة الاجتماعية :
إذْ ينبغي توزيع منافع التقنية واجتناب احتكارها، وإنَّ القول بخلاف ذلك يعد هدراً للعدالة الاجتماعية التي تؤكدها الدساتير.
ج- الحق في التقاضي والشفافية :
يضمن الدستور والقانون منح الأفراد الحق في التقاضي وفي الطعن وتسبيب القرارات القضائية وخضوع القرارات الإدارية للرقابة القضائية.وهو ما قد يصطدم مع طبيعة بعض الأنظمة الذكية التي يصعب تفسير منطقها ؛ ما يستدعي تدخلًا دستوريًا يكرّس مبدأ الشفافية الخوارزمية.
وللحديث تتمَّةٌ في الجزء الثالث إن شاء الله -وهو الأهم والأخطر- ؛ لعرض المقترحات الدستورية التي نُقدِّمها بغية تنظيم الذكاء الاصطناعي دستورياً.
❖ كتابات في الميزان ❖
يؤسّس الكاتب لفكرة إخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي للقواعد الدستورية، بما يضمن بقاء التقنية تحت سيادة القانون والرقابة البشرية. ويربط تنظيمها بحماية الكرامة الإنسانية والخصوصية والمساواة وحرية التعبير والحق في التعليم والبيئة السليمة. كما ينبّه إلى آثارها الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما تهديد فرص العمل واحتكار المعرفة واتساع الفجوة التقنية. وتكشف الدراسة أن دسترة الذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورةً لحماية الإنسان وحقوقه، وليست ترفًا قانونيًا مؤجلًا.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!