كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فن التحريف

  التحريف وتشويه الحقيقة

التحريف نفاق وكذب وتدليس، وكلها تلتقي عند غاية واحدة، وهي تشويه الحقيقة بغية إخفائها أو العمل بعكسها.

التحريف قول، كتابة، فعل، فيلم، صوت، ومع التقنيات الحديثة أصبح فن التحريف فنًّا تقنيًّا يصعب اكتشافه، وسهولة خداع الناس، لكن في التراث والتاريخ الإسلامي فلرجاله أساليبهم وعلمهم وخبرتهم في كشف الكذب، وأُسست علوم لتلك الغاية ـ كشف التحريف ـ وهي علم الرجال، علم الحديث، الجرح والتعديل، ولكل فقيه أو مذهب مبانيهم في ذلك، يعني تمكنوا بتحييد التحريف، وسرعان ما تُكشف الأكاذيب، نعم قد تُحدث تأثيرًا سلبيًّا قبل كشفها، أو لا يزال الكثير منها بحاجة للكشف عليه.

التحريف في الروايات والأسانيد

سابقًا، كأن يكون ضمن السند: عن فلان، أو ثنا رجل، أو قيل كذا، ومثل هذه الروايات تبقى مرفوضة، لكن عندما يكون متنها يخدم مذهبًا ما تجد أتباع ذلك المذهب يبحثون عن تبرير وتأييد لهذه الرواية.

هنالك روايات غايتها تخدم مذهبًا، وفي ضمن متنها دس، مثلًا رُوي عن محمد بن الحسن بن الأشتر العلوي قال: كنت مع أبي بباب المتوكل، وأنا صبي في جمع الناس ما بين طالبي إلى عباسي إلى جندي إلى غير ذلك، وكان إذا جاء أبو الحسن عليه السلام ترجل الناس كلهم حتى يدخل. فقال بعضهم لبعض: لم نترجل لهذا الغلام؟ وما بأشرفنا ولا بأكبرنا ولا بأسننا ولا بأعلمنا؟ فقالوا: والله لا ترجلنا له. فقال لهم أبو هاشم: والله لترجلن له صغارًا وذلة إذا رأيتموه، فما هو إلا أن أقبل وبصروا به فترجل له الناس كلهم. فقال لهم أبو هاشم: أليس زعمتم أنكم لا تترجلون له؟ فقالوا: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا.

طبعًا يتناقلها كثيرًا أصحاب المذهب الإمامي، وهنا سؤال: الغلام يعني عمره لا يتجاوز خمس عشرة سنة، والإمام الهادي ولادته سنة (212)، يعني سنة 227 يكون عمره (15)، وفي هذه السنة كان الواثق الخليفة وليس المتوكل، ولم يكن الإمام في سامراء.!!!

رواية البساط الطائر

رواية أخرى، قال أبو ذر: بعثني أنا وأبا بكر وعمر وعثمان على بساط إلى قوم معين لتبليغهم بالإسلام. طبعًا أبو ذر معروف بأنه أصدق راوي، فلا يجرؤ أحد على تكذيبه، ولكن من يثبت أن أبا ذر صدر عنه هذا الحديث؟ وكيف طاروا على بساط لأجل إثبات معجزة لهم؟

 التحريف في الأخبار المعاصرة

وفي عصرنا هذا يخرج ضابط بالمخابرات الأمريكية يتحدث عن مهامه سنة 2002 في أفغانستان ليعمل دراسة عن زراعة الخشخاش في قندهار، وذكر أن أمريكا شجعتهم على ذلك وعلى أن يصدروه إلى إيران وروسيا، ويتابع كلامه قائلًا: وهل تعلم أن زراعة الخشخاش أيام طالبان كان صفرًا، وبعد الاحتلال الأمريكي أصبح 90%؟ هنا ستعتبرها شهادة من المخابرات تدين أمريكا، لكنني أسأل: هل طالبان ترفض الخشخاش؟ أليس الانتحاريون أغلبهم يتعاطون المخدرات قبل تفجير أنفسهم؟ نعم، يخرج حامد كرزاي ليقول إن الاقتصاد الأفغاني يعتمد على الخشخاش، كما وأنه مصدر تمويل المخابرات الأمريكية، وهذا صحيح جدًّا.

الشهادة والحقيقة

ويُحكى: شهد شاهدان على صاحبهم بأنه مات خلال سفرهم، وبعد شهر جاء صاحبهم لأنهما تآمرا عليه، فقال للقاضي: ها أنذا أمامك لم أمت. فقال القاضي: ادفنوه؛ لأنني لا أُكذّب شاهدين عدلين اعترفا بموته.!!!

 التدليس الإعلامي

وفي خبر: تم اغتيال فلان في المنطقة الفلانية، ولم تُعرف هوية المنفذ... إلى هنا الخبر طبيعي... يأتي دور التدليس الإعلامي فيضيف للخبر الآتي: ويُذكر أن للقتيل محاضرة انتقد الجهة الفلانية... فإلى ماذا توحي هذه الإضافة؟؟؟

يعرضون أفلامًا قديمة عن معارك جرت بين أمريكا وإيران لتشويه الحقيقة وخلط الأوراق، ولأن المستوى الثقافي العام، للأسف الشديد، دون المستوى. ومهما يكن الذكاء الاصطناعي فاستعينوا به في معرفة حقيقة الأخبار.

الكلام يطول، وإن وُفقنا سنتحدث عن أساليب أخرى.

❖ كتابات في الميزان ❖

يتناول الكاتب التحريف بوصفه وسيلةً لتشويه الحقيقة وإخفائها، مستعرضًا حضوره في الروايات التاريخية والأخبار المعاصرة. ويبيّن أهمية التحقق من الأسانيد والمتون وعدم الانخداع بالأسماء أو الشهادات التي تبدو موثوقة. كما يلفت إلى أساليب التدليس الإعلامي، ومنها إضافة معلومات موجِّهة إلى الخبر أو استعمال مشاهد قديمة في سياقات جديدة. ويدعو القارئ إلى تنمية وعيه والاستعانة بوسائل التحقق الحديثة لكشف الأخبار المضللة.

التحريف.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!