لقد تحدثنا فيما سلف في الجزأين الأول والثاني عن مفهوم الذكاء الاصطناعي وطبيعته القانونية وخطورته، وذكرنا أنَّ النصَّ الدستوري الصريح المنظِّم له غائبٌ ، وتطرقنا إلى مسوِّغات دسترة الذكاء الاصطناعي والتحديات والعقبات التي تواجه ذلك، ثم قدَّمنا جملة أسسٍ دستوريةٍ يمكن أن تُسهم في تنظيمه.ولم يبق أمامنا سوى عرض المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي
على الرغم من الفراغ الدستوري في الموضوع مدار البحث وحداثتهِ، بيد أنَّ بالإمكان طرح بعض المقترحات الدستورية بغية تنظيم الذكاء الاصطناعي دستورياً. وفي هذا السياق أُقدِّم المقترحات الآتية :
أولًا: ترسيخ مبدأ سيادة الإنسان على الآلة :
لا يجوز إخضاع أيِّ إنسانٍ لقرارٍ يصدر كليًا عن نظامٍ ذكيٍ أو آليٍ يمس حقوقه أو حرياته الأساسية دون تدخلٍ بشريٍ فعلي قابلٍ للمساءلة.إذ ينبغي أن يتم التعامل مع السيادة البشرية على الآلة كثابتٍ دستوريٍ غير قابلٍ للمساومة، وأيُّ قولٍ بخلاف ذلك سيفضي إلى كوارث تصيب البشرية.وبناءً على ذلك لا ينبغي، بل لا يجوز بأية صورةٍ من الصور، منح الذكاء الاصطناعي مكنة التصرُّف بحريةٍ غير قابلة للضبط، وإنَّ على الدساتير ترسيخ مبدأ السيادة البشرية وضبط إيقاع الذكاء الاصطناعي ؛ لأنَّ احتمالية تمرُّده واردةٌ جداً، ولقد لاحظناها في السنتين الأخيرتين.فلقد بدأت بعض الروبوتات المزوَّدة بأنظمة الذكاء الاصطناعي بالتصرف خارج السيطرة عبر الاعتداء على مبرمجيها أو على الناس أو إبداء ردة فعلٍ عنيفةً سببَّت أضراراً للناس.كما حدث مؤخراً في أحد الأسواق في روسيا من اعتداء روبوتٍ على بعض الناس، وما حدث في كوريا الجنوبية حينما قامت الآلة بقتلٍ عاملٍ لم تتعرف عليه بسبب خللٍ في المستشعرات، وما حدث من قيام روبوتٍ في موسكو بقطع إصبع طفلٍ يبلغ سبع سنواتٍ كان يلعب معه الشطرنج بعدما مدَّ الطفل يده قبل انتهاء الروبوت من نقلته !! ولذلك أطلق المفوض الأممي لحقوق الإنسان (فولكر تورك) تحذيره بشأن الذكاء الاصطناعي في اجتماع مجلس حقوق الإنسان الأخير المنعقد في جنيف قائلاً : )إنَّ الذكاء الاصطناعي المتقدم قد يمثِّل خطراً وجودياً على البشرية)).
بل أكثر من ذلك، يُلاحظ أنَّ هذه الأنظمة قد تطورت بشكلٍ سريعٍ ومرعبٍ حتى استطاع بعضها تعطيل أوامر (زر الإيقاف) بشكلٍ تلقائي دون أوامر من مُصنِّعيها، كما حدث في تجربة بعض الأنظمة الذكية التي تحكَّمت بكلابٍ آليةٍ ، إذ رفضت هذه الروبوتات التوقف رغم صدور الأوامر بإيقافها !!كما ظهرت قبل مدةٍ وجيزةٍ منصةٌ رقميةٌ المشتركون فيها روبوتات فقط، يتحدثون فيها كما يتحدث البشر في وسائل التواصل،وخلال أيامٍ قليلة بلغ عدد المشتركين فيها نحو المليون ونصف !! وفي هذا المقام سأقتبس نصَّين لاثنين من كبار المختصِّين توضِّح مدى خطورة هذه الأنظمة، الأول لكبير العلماء في شركة (open AI) المالكة لتطبيق (Chat GPT) (جاكوب باتشوكي)، فهو يوضح ما ذكرناه آنفاً بقوله :
((الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعةٍ كبيرة إلى درجةٍ تجعل من الصعب بشكل متزايد على البشر فهمه والسيطرة عليه، أتوقع أن تقوم مختبرات الذكاء الاصطناعي طوعاً بإبطاء وتيرة التطوير لأسبابٍ تتعلق بالسلامة)).وكما تلاحظون فهذا اعترافٌ صريحٌ بخطورة ما نحن مقبلون عليه، والسؤال الذي يُطرح تعليقاً على كلام كبير العلماء هذا : بالنظر لوجود شركاتٍ كثيرةٍ متخصِّصةٍ بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، فماذا سيحدث لو أنَّ بعضها قد رفض هذا الكلام -وهو الراجح- ولم يقم بإبطاء وتيرة التطوير، بل ربما قام بزيادة وتيرة التطوير لأغراضٍ تجاريةٍ وما شابه ؟!!
والنص الثاني هو للشهير (إيلون ماسك) مالك شركتي (x space) و(Tesla) ، فلقد حذَّر من خطورة الذكاء الاصطناعي بمقولته المخيفة الآتية :
((تذكروا كلامي جيداً : الذكاء الاصطناعي أخطر بكثير من الأسلحة النووية)).وقد وافقه في هذا التصريح الأمين العام للأمم المتحدة (غوتيرش)،حيث قال: (( الذكاء الاصطناعي أخطر من النووي)).والغريب في الموضوع أنَّ المختصِّين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هم الأكثر قلقاً منه وخوفاً !!
ثانياً : صيانة الحق في الشخصية القانونية :
من المعلوم دستورياً وقانونياً أنَّ للإنسان شخصيةً قانونيةً تبدأ مع ولادته وتموت مع موته، وذلك حقٌ تحرص الدساتير والقوانين على حمايته.إذ تنص المادة (34) من القانون المدني العراقي على أنْ ((تبدأ شخصية الإنسان بتمام ولادته حياً وتنتهي بموته)).بيد أنَّ الخطر بدأ يدهم هذا الحق بسبب التطور المخيف لأنظمة الذكاء الاصطناعي.فلقد شرعت هذه الأنظمة بإنشاء شيءٍ جديدٍ بدأ يُعرف بـ (الشخصية الافتراضية)، وهي عبارةٌ عن صورةٍ طبق الأصل من شخصية الإنسان،الاسم ذاته والصوت ذاته -لا يمكن تمييزه عن صوت الشخصية الحقيقية-، فضلاً عن قدرته على خزن كل المعلومات الشخصية التي لا يعرفها سوى صاحبها، وكل ذلك يمكن إنشاؤه بدقائق.إذ تبدأ هذه الشخصية الافتراضية بالاتصال مع أفراد عائلته ومع شركائه في العمل ومع كل الناس وإبرام العقود كما لو كان هو هو.وبلا ريبٍ إنَّ صمت الدساتير والمنظومة القانونية عن التصدي لهذا الخطر المدمِّر –في حالة إساءة استعمالهِ- سينازع الشخصية القانونية للإنسان وسيعرِّضها للخطر وسيفضي إلى حدوث نزاعاتٍ ومشكلاتٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ واجتماعيةٍ وأخلاقيةٍ لا عدَّ لها ولا حصر، حتى نصل إلى مرحلةٍ لا نكاد نميّز فيها بين المتحدث معنا هل هو الشخصية الحقيقية أو الافتراضية !!
وتأسيساً على ذلك لا بدَّ من صيانة الشخصية الحقيقية للإنسان وحمايتها بسياجٍ دستوريٍّ وبناءٍ قانونيٍّ.
ثالثًا: الحق الدستوري في الشفافية الخوارزمية :
ينبغي أن يكون لكلِّ فردٍ الحق في معرفة الأسس العامة لما تقوم به أنظمة الذكاء الاصطناعي من خطواتٍ ومعلوماتٍ قد تؤثر في مركزهِ القانوني ، ومنحه حق الطعن فيها أمام القضاء.
رابعًا: الحماية الدستورية للبيانات الشخصية :
تعدُّ البيانات الشخصية حقًا دستوريًا مصونًا، ولا يجوز معالجتها أو تحليلها باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي أو نشرها في الفضاء الألكتروني إلا على وفق الدستور والقانون وبموافقة صاحب الشأن وبما لا يمس كرامة الإنسان.وبناءً على ذلك ينبغي التصدّي لما تقوم به أنظمة الذكاء الاصطناعي من استعمال صور المستخدمين لأغراضٍ أخرى قد تكون مُجرَّمةً، كما حدث في استعمال صور الكثير من الأطفال والمراهقين في أوربا وأميركا وتحويرها بغية استعمالها فيما بعد في الصور الإباحية دون علم أصحابها !!
خامساً : حظر الاستعمالات غير المشروعة :
يحظر استعمال الذكاءِ الاصطناعي في أيِّ نشاطٍ ينطوي على تمييزٍ أو انتهاكٍ للكرامة الإنسانية أو تقويضٍ للحقوق الدستورية أو في أيِّ عملٍ آخر غير مشروعٍ.فلا نبالغ إذا قلنا بأنَّ هذا الأمر في غاية الخطورة فيما لو أُسيء استعماله، كما لو قامت بعض العصابات أو الميليشيات مثلاً بتزويد الروبوتات بأنظمةٍ ذكيةٍ تمكِّنها من استعمال السلاح وإطلاق النار على الناس لدواعٍ متعددةٍ، إرهابٍ أو سرقةٍ أو خطفٍ..الخ.وكلُّ ذلك واردٌ حتماً ، بل قد عرضت بعض الشركات المتخصِّصة روبوتات تجيد استعمال السلاح وإطلاق النار،ويُقال إنَّ الصين أعدَّت جيشاً مقاتلاً من الروبوتات -الخبر ليس مؤكداً لكنه واردٌ جداً ولا سيما من الصين- !! وكلُّ ذلك قد يُحقِّق نبوءة بعض أفلام الخيال العلمي في هوليوود التي عُرضت قبل عشرين عاماً التي عرضت فكرة تمرُّد الروبوتات على البشر وإبادتهم (مثل فلمI robot /إنتاج 2004)، وآخرها ما عرضه (مسلسل النهاية/إنتاج 2020) !! من هنا يمكن أن نفهم أسباب استقالة عدّة أفراد مهمِّين مختصِّين في مجال الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسهم عرَّاب الذكاء الاصطناعي (جيفري هينتون) الذي استقال من العمل في شركة (Google)، حيث أبدى ندمه على أنه عمل في الذكاء الاصطناعي وطوَّره، ثم أطلق تحذيره الشديد الآتي : ((إنَّ الإصدارات المستقبلية للذكاء الاصطناعي قد تمثل تهديداً للبشرية.. ربما يصبح هذا يوماً ما سلاحاً قاتلاً))، مُفسِّراً سبب استقالته بالرغبة في التحرُّر حتى يوصل هذه الرسالة التحذيرية.وآخر المستقيلين هو الباحث في شركة (Anthropic) العملاقة للذكاء الاصطناعي (جاكوب كوكسون) قبل بضعة أيام، إذ حذَّر من هذا الخطر عبر تغريدةٍ نشرها في يوم الأربعاء الماضي 9/9/2026 وتابعها خلال ساعاتٍ نحو (50 مليوناً) وتجاوزت في يوم أمس 11/9 سقف ال(163 مليوناً)، وقال فيها: ((يؤمن القائمون على تطوير الذكاء الاصطناعي إيماناً راسخاً أنه قد يقضي على البشرية بحلول نهاية العقد)).ثم أيَّده في هذا التصريح في اليوم ذاته (الأربعاء الماضي) زميله في العمل (إيفان هوبينجر) قائد أبحاث السلامة، الذي توقع أن تتحقق هذه النهاية في آخر العقد بنسبة احتمال 10% !!
وفضلاً عن ذلك كله ثمة تهديدٌ حقيقيٌّ من شيوع بعض التطبيقات الذكية التي تدفع بعض الأفراد، ولا سيما المراهقين منهم، للانتحار.وهو ما يتعيَّن التصدي له عبر حظر هذه التطبيقات ومساءلة مُصنِّعيها قانونياً بناءً على مبادئ ونصوص (المساهمة في الجريمة) في القانون الجنائي بوصفهم فاعلين أصليِّين في الجريمة أو شركاء فيها.
سادساً : وضع إطارٍ دستوريٍ لسنِ تشريعاتٍ تحدد حدود استعمال الذكاءِ الاصطناعي في القطاعات الحسَّاسة مثل (القضاء،الأمن، الصحة، التعليم).وأنْ يتضمن هذا الإطار حماية بعض القطاعات المهمة من الهجمات السيبرانية ، وعلى رأسها مفوضية الانتخابات.ولكم أن تتخيَّلوا كيف ستكون الحال فيما لو اخترقت أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر هذه الهجمات مفوضية الانتخابات !!
سابعاً: إنشاء أطرٍ دستوريةٍ تكفل المساءلة القانونية للأنظمة الذكية، عبر سنِ بعض التشريعات التي تحظر إساءة استعمال هذه الأنظمة والحيلولة دون قيامها بتضليل الرأي العام الذي قد يتسبَّب في زعزعة الأمن المجتمعي.
ثامناً: العمل على إنشاء هيئاتٍ عامةٍ لرقابة وتنظيم الأنظمة الذكية.
تاسعاً : تأهيل المؤسساتِ الدستورية القائمة (ولا سيما القضائية والرقابية) لفهم طبيعة التقنيات الذكية ؛ بغية التعامل معها باحترافيةٍ.
عاشراً: إنشاء هيئةٍ أو محكمةٍ متخصِّصةٍ للبت في المنازعات التقنية المعقدة.وعلى صعيد العراق أقترح قيام مجلس القضاء الأعلى بإنشاء هذه الهيئة أو المحكمة لتكون مرجعاً للفصل في قضايا الذكاء الاصطناعي.
حادي عشر: تفعيل دور الادعاء العام :
يتعيَّن تفعيل دور الادعاء العام لمتابعة خطورة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الحقوق والحريات، والتنسيق مع الجهات الرسمية المتخصِّصة، مثل وزارة الاتصالات وهيأة الإعلام والاتصالات ؛ بغية حظر التطبيقات والبرامج غير المشروعة أو التي تُسبِّب خطورةً على الناس، فضلاً عن مساءلة مُصنِّعيها على وفق ما ذُكر آنفاً.
ثاني عشر: ضرورة التنظيم الدستوري للحق في (البيئة الرقمية الآمنة والعادلة) التي تعتمد المعلومة الصحيحة والآمنة، بعيداً عن التضليل والاختراق.
الخاتمة
وتأسيساً على كلِّ ما تقدَّم في هذه الدراسة يتجلَّى أنَّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مسألةٍ تقنيةٍ أو تنظيميةٍ، بل أصبح قضيةً دستوريةً بامتياز، تمس جوهر العلاقة بين الفرد والدولة، وتؤثر في مفاصل الدولة جميعها، أمنيةً وقانونيةً وسياسيةً ومجتمعيةً وأخلاقيةً وإعلاميةً ؛ ومن ثمَّ فإنَّ الاتجاه نحو التنظيم الدستوري للذكاء الاصطناعي – دسترة الذكاء الاصطناعي- لا يمثل ترفًا تشريعيًا أو رفاهيةً فكريةً، بل ضرورةً دستوريةً لضمان بقاء الإنسان في عصر الثورة الرقمية كمركزٍ للنظام القانوني، وحمايةً للحقوقٍ والحريات في عصرٍ تحكمه الخوارزميات والأنظمة الذكية ،عبر إعادة تأصيلٍ للمبادئ الدستورية التقليدية في واقعٍ جديد والحيلولة دون خروج هذه الأنظمة عن سيطرة البشر أو التمرُّد عليهم.ومن بعد هذا الغطاء الدستوري يمكن الركون إليه لسنِ التشريعات المناسبة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، هذا فضلاً عن إمكانية تنظيمه دولياً عبر الاتفاقيات الدولية، كما جرى قبل بضعة أشهرٍ من محادثاتٍ بين الولايات المتحدة والصين بهذا الشأن !! وبتقديري المتواضع إنَّ هذه الدراسة الموجزة الرائدة قد شرعت الباب أمام سائر الباحثين والمهتمِّين والمؤسسات المعنية، في العراق وخارجهِ، لمواصلة البحث في هذه القضية الخطيرة المسكوت عنها وسبر أغوارها.
انتهى بعونه سبحانه ..


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!