في زيارتي الأخيرة للعراق، وتحديدًا إلى الموصل، طلب مني خالي أن أرافقه إلى وليمة (عزيمة) لأحد الآباء المقدسين المتخصصين في تفسير الكتاب المقدس. كنت أعرف هذا القسيس؛ وكان متشددًا جدًا مع المسيحيين حول قراءة الكتاب المقدس وتطبيقه حرفيًا، وقام بتأليف عدة تفاسير.
دخلنا إلى البيت، وكان بعض الضيوف هناك، وأغلبهم من رجال الدين الكهنوتي، وقسيسات أيضًا. ثم طلبوا منا الانتقال إلى صالة الطعام، وهناك رأيت المائدة العجيبة التي تحوي مختلف أنواع الأطايب والمأكولات والفاكهة والمشروبات الروحية.
بدأنا بالأكل، فقال لي صاحب الوليمة: لماذا لا تأكلين من هذا السمك واللحم؟ فهما شواء خاص على الفحم.
فقلت له: أنا لا آكل من سمك (السلّور)، وبالعراقي يطلقون عليه (الجرّي)، وهذا لحم خنزير بري أسود أعرفه من خلال بقايا الشعر الذي لم يحترق.
فقال: كلي، وأنا أتحمل المسؤولية أنه حلال.
قلت له: من أين أصبح حلالًا، والكتاب المقدس الذي تجبر الشباب على قراءته يقول بتحريمهما معًا ويتشدد في ذلك؟
فقال: أين ذلك؟
قلت له: عجيب! أنت مفسر للكتاب المقدس ولا تعرف أين تحريم الخنزير وسمك الجرّي!
هل تعلم أن هناك أسفارًا تذكر المحرمات والمباحات من المأكولات؟ فيُحرَّم من ضمنها هذا السمك والخنزير، وهو سفر التثنية.
يقول: «لا تأكل الخنزير لأنه يشق الظلف، لكنه لا يجتر، فهو نجس لكم. فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا».
ويقول عن السمك: «هذا تأكلونه من كل ما في المياه: كل ما له زعانف وحرشف تأكلونه، لكن كل ما ليس له زعانف وحرشف لا تأكلوه. إنه نجس لكم». سفر التثنية 14: 8-10.
فكل سمك فيه حراشف أحل الرب أكله، وكل سمك من دون حرشف أو قشور حرّم الرب أكله. وأما الخنزير فلم يُحرَّم لمسه فقط، بل إن كل قدر وإناء يتم طبخ هذا اللحم به يُرمى ولا يجوز استخدامه. وقد بلغ من نجاسة هذه اللحوم أن الرب تشدد جدًا في كل ما يمس هذه اللحوم، فأمر بتحطيمه.
فيقول في سفر اللاويين 11: «كل إناء خزف وقع فيه منها، فكل ما فيه يتنجس، وأما هو فتكسرونه... وكل ما وقع عليه واحدة من جثثها يكون نجسًا. التنور والموقدة يهدمان. إنها نجسة وتكون نجسة لكم».
ثم قلت للأب مازحة: يا قداسة الأب، لازم أنت تكسر الموقد أو التنور الذي شويت به هذه اللحوم.
فتدخلت قسيسة شابة مغرورة وقالت: ما يحتاج محاضرة، أنتِ لا تأكلين.
فقلت مخاطبةً القسيس صاحب المأدبة: ليس فقط لحم الخنزير نجسًا، بل استخدم الرب الخنزير مثلًا لأشخاص مغرورين، كما يقول في سفر الأمثال 11: 22: «خزامة ذهب في فنطيسة خنزيرة، المرأة الجميلة العديمة العقل».
أما الرجال فقد كتموا ضحكة مجنونة، ولكن تعالوا شوفوا وجه القسيسة!
طبعًا، هناك إجماع من قبل الديانات الثلاث على حرمة هذه اللحوم، ولكن العجيب أن تقوم طائفة من المسلمين بتحليل لحوم الجرّي، وتصطاد الخنزير البري وتأكله تحت شعار: «صيد وإيدينا حلال».
سألتُ سنيًا في الموصل يومًا، رأيته يحمل أربع سمكات جرّي في شهر رمضان، فقلت له: أليس هذا حرامًا في دينكم؟
فقال: القرآن يأمرنا بقتال اليهود، وأنهم أمة ملعونة ممسوخة، وأنا آكل الجرّي لأنه يهودي مسخه الله، فأريد بذلك الانتقام.
ثم ضحك، ولكنه استدرك وقال: لأن سمك الجرّي رخيص نأكله.
يقول المثل: «يصوم يصوم ويفطر بجرّية»، دلالة على فساد صيامه.
حرام الرب الله لا يُحلله أحد. حرامه حرام إلى يوم القيامة، وحلاله حلال إلى يوم القيامة. وكلما تقدم العلم، قدّم لنا بحوثًا وتقارير عن أضرار أمثال هذه اللحوم.
✦ كتابات في الميزان✦
النص يمزج بين الحكاية الشخصية والجدل الديني حول المحرّمات الغذائية، ويجعل من مشهد المائدة مدخلًا لمساءلة الفارق بين النص المقدس والممارسة اليومية. قوته الأساسية في المفارقة بين التشدد النظري والتساهل العملي، وإن كان يحتاج عند النشر إلى التمييز بوضوح بين الأحكام الدينية المختلفة وبين الرأي الشخصي بشأن الأضرار الصحية، لأن التحريم الديني لا يساوي بالضرورة حكمًا علميًا بفساد الطعام.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!