كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 مذكرات إعلامي متقاعد (5).. مع ملا جليل الكربلائي

 بعد مرحلة سقوط النظام، وما حملته الذاكرة الحسينية من وجع إثر ممارسات الطواغيت وأتباعهم، ومن محاولات تشتيت البنى الفكرية لمؤسسة المنبر الحسيني وحراك الثقافة الحسينية، ومحاربة الشعائر محاربة قاسية جداً، جعلتنا نحلم بمثل هذا اليوم الذي سيجمع بناة المنبر الحسيني، والإنشاد الحسيني، وأبناء الشعائر الحسينية، لبناء عوالم موكبية قادرة على تمثيل الهوية الحسينية تمثيلاً يقدم للعالم جوهر القضية التي حاول الطغاة التنكيل بها وخنقها؛ لتُمنع سلطة التأثير الوجداني من الاتساع عبر حرية ممارسة الشعائر.

لهذا كان الفرح الحسيني عامراً بالمودة واللقاء بكل مبدع يصل إلى كربلاء من الذين غرّبتهم سلطات الجور، حتى تخفق القلوب إليه محبةً. ولذلك قررنا أن نستقبل ملا جليل الكربلائي، فذهبنا إلى سكنه المؤقت في أحد الفنادق القريبة من الصحن الحسيني. ذهبت إليه بصحبة أستاذي ومعلمي الشاعر عودة ضاحي التميمي، وكان معنا، على ما أتذكر، الأستاذ الروائي والناقد السيد محمد الميالي، مع بعض الشعراء الشباب.

س: كيف ترى الناس هنا؟

ج: إحساس لا يوصف، يلغي ثلاثين عاماً من الغربة والتباعد؛ فما إن أقرأ شيئاً إلا وأرى الناس يرددونه قبلي، فأتيقن أن صوتنا وصل قبلنا وألفته القلوب، وهذا هو حب الحسين الذي لا يحتاج إلى جواز سفر.

س: خصوصية اللهجة العراقية، كيف تطلون بها على باقي الشعوب، وهناك ثقل لفظي وعسر في فهم معانيها؟

ج: بعناية من الله وبركة أهل البيت (عليهم السلام)، فرضت اللهجة العراقية نفسها عند كل الشعوب، فأحبوها وتآلفوا معها وتطبعوا بطباع هذه اللهجة. تصوّر أنهم يتكلمون معي بلهجة عراقية، باستثناء بعض المفردات التي غرقت في المحلية فصعبت على العراقي نفسه.

وفي دول الخليج يرتاحون كثيراً للهجتنا العراقية، وحين أقرأ أمامهم الشعر كأني في العراق. أدركت أخيراً أننا لسنا بحاجة إلى تفسير بعض المفردات التي كنا نظن أنها لا تقدر أن تتفاعل مع الناس هناك. والجميل في الأمر أننا نشعر بالفخر حين نحتفظ بمعالم الفلكلور العراقي ولا نفرّط به، ونشعر بالاعتزاز ونحن نرتدي الثوب الذي فصّله لنا الحسين (عليه السلام).

س: والأطوار؟

ج: هنا يكون التنوع؛ علينا كسب الجمهور من خلال ما يألف من سماع. ففي الكويت، مثلاً، نقرأ الأطوار الخليجية، أما في العراق فلا أُلفة مع هذه الأطوار الخليجية الخفيفة، فنقرأ شيئاً آخر.

س: أليس في هذا تقليل من شأن الرادود؟

ج: التعامل الوسطي هو خير الأمور. قد أستفيد هنا من بعض المستهلات، ولا أعتقد أنها تقلل من شأن شيء، ولكن المشكلة أن بعض الرواديد أفرطوا كثيراً في إنشاد اللحن الخفيف والخفيف جداً، والمستنسخ غالباً من الأغاني.

هذه، بطبيعة الحال، ستقلل من قيمة الرادود، ومن قيمة الشعر الحسيني، ومن قيمة المنبر والدمعة والخشوع الذي ما عدنا نألفه الآن في الكثير من القراءات. فأنا عندما أقرأ قصيدتين من الطور الخليجي، أضع أمامهما ثمانية أطوار فلكلورية، لخلق عملية التوازن، وبهذا سأكسب علو الشأن، إن شاء الله رب العالمين.

س: نحن فهمنا المسألة بوجهة نظر أخرى، فلا أحد يقدر أن ينكر ذلك الصراع البطولي من القصيدة الحسينية المنشدة أمام الأغاني الهابطة في الفضائيات.

ملا جليل: أنا عندي سؤال: إذا ما اقتبست أغنية وأضع فيها كلمات حسينية، أليس هذا نصراً للأغنية نفسها؟ فلكي أقاتل فعلاً، عليَّ أن أقدم النمط الحزين الأصيل الذي يجبر المتلقي على الخشوع.

علينا ألّا نخلق تبريرات لمن أراد بيع نفسه وفنه، ويجب ألّا نعطي لأنفسنا ضياعاً تحت أي عنوان. نحن نملك الأصالة والفلكلور الجميل، وعندنا عافية بالمقامات والأطوار. منذ وقت ليس بالبعيد، كان الملحنون يقتبسون من الرواديد أطوارهم، والآن أصبحت المسألة بالعكس، فلا نمتلك إلا أن نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

س: والفضائيات؟

ملا جليل: عندها قصور لضعف الإمكانات المادية والفنية. هل تدري أن تصوير عشر دقائق «فيديو كليب» يكلف الجهاز الفني أسبوعاً مضنياً من العمل لإنجازه، ويكلف الإداريين 5000 دولار، على أقل تقدير؟

س: الصوت الحسيني العراقي؟

ج: المسألة تحتاج إلى وقت أطول لمعرفة الساحة الشعرية والإنشادية في كربلاء.

أولاً: نحن أمام التزامات لا نستطيع التخلص منها بسهولة.

ثانياً: ليس كل ما يصلنا يمثل كربلاء، وتلك حقيقة أنا أدركها. فلذلك وصلت إليّ الكثير من القصائد التي لا تضيف شيئاً إلى رادود يجوب العالم ويتعامل مع مختلف الأنماط في أغلب البلدان، بل أبحث عن شيء يمثل المنبر العراقي أمام هذه المنابر الثقافية المتنوعة.

قرأت لشعراء الشباب في عدة مجالس، فتأثرت كثيراً بشعرية الحاج مهدي جناح الكاظمي، والتقيت في هذه الزيارة مع الشاعر الحاج عودة ضاحي التميمي، وسنتعاون، إن شاء الله، لنصل إلى أعمال مثيرة.

فشعراء الداخل تعرضوا إلى ضغوط كبيرة، وإلى خنق أصواتهم، وإلى عدم وجود المتنفس الحقيقي الذي يتطور الصوت من خلاله. في الداخل يحتاج إلى دعم معنوي يستند في همته ليقف على طوله، ونحن متفائلون ونتمنى لكم الخير.

✦ كتابات في الميزان ✦

يوثّق اللقاءً مع ملا جليل الكربلائي بعد سنوات الغربة، كاشفاً مكانة اللهجة العراقية والفلكلور الأصيل في انتشار القصيدة الحسينية. ويناقش مخاطر استنساخ ألحان الأغاني والإفراط في الأطوار الخفيفة على هوية الرادود والمنبر والخشوع. كما يضيء معاناة شعراء الداخل وحاجتهم إلى الدعم لاستعادة حضور الصوت الحسيني العراقي.

ملا_جليل_الكربلائي.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!