ما نراه في زيارة الأربعين من أهل العراق في خدمة الزوّار شيءٌ يحطّم كلَّ الأرقام القياسية في العالم؛ في كرم الضيافة، وفي التواضع، وفي التضحية، وفي الإيثار، وفي الأخلاق، وفي التسامح، وفي المحبة، وفي العشق، وفي الشجاعة، وفي الغيرة، وفي العزيمة، وفي كلِّ شيءٍ لا يمكن إحصاؤه.
والسبب في ذلك يعود إلى حبّهم للإمام المعصوم أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). وقد أثبتوا خطأ المقولة: «لأجل عينٍ تُكرَم ألفُ عينٍ»، بل الصحيح: «لأجل عينٍ تُكرَم ملايينُ العيون»، بل بعد سنواتٍ، إن شاء الله، ستجد: «لأجل عينٍ يُكرَم مليارُ عينٍ».
ولو نزلت الملائكة لزيارة الحسين (عليه السلام) مشياً على الأقدام، لخدمها أهل العراق. ومن خلال هذه الخدمة للإمام المعصوم في زيارة الأربعين، ومن خلال فلسفتها، نفهم لِمَ يتخذ الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الكوفة عاصمةً له؛ لأن أهل العراق سوف يستضيفون العالم كلَّه، وكرمهم يسع الجميع، ومائدتهم مفتوحة لكل الناس.
ونفهم السرَّ في أن الفتح العالمي يكون من العراق، ونفهم السرَّ في أن الحسين (عليه السلام) ترك كلَّ المدن وجاء إلى العراق؛ ليتخذ أرض كربلاء مرقداً له.
ونفهم أيضاً لماذا ألحَّ الأئمة (عليهم السلام) على التوجه إلى زيارة الحسين، وبيان فضل زيارته في مناسباتٍ مخصوصة وغير مخصوصة، ومنها زيارة الأربعين.
ومن ذلك نفهم لماذا اشترى الإمام الحسين (عليه السلام) من بني أسد موضع قبره من الأرض التي كانوا يمتلكونها، وأذن لهم بالبقاء بجوار قبره، بشرط أن يحسنوا ضيافة زواره.
لكنَّ بني أسد اليوم أصبحوا هم كلَّ العراقيين، وأصبح الجميع جيرانه، وأصبح حقُّ الضيافة واجباً على الجميع.
إيهٍ يا عراق، يا بلد الجراح، على الرغم من جراحك ما زلت تستقبل الضيوف، وعلى الرغم من آهاتك ما زلت تحتضن الجميع.
إيهٍ يا عراق، لو أن هذه المآسي التي مرَّت عليك مرَّت على بلدٍ آخر، لأصبح في خبر كان، لكنك أنت المبتدأ، وأنت الخبر، لا تنسخك النواسخ؛ فتبقى مرفوعاً، سواءٌ أكنتَ خبرَ «كان» أم مبتدأ «إنَّ».
وبين الإمام الحسين (عليه السلام) وظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، نعيش لذّة الألم وفرحة اللقاء.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم النص خدمة العراقيين لزوّار الأربعين بوصفها تجسيداً عملياً للحب الحسيني، بما تحمله من كرم وإيثار وتواضع وتضحية. ويربط بين كربلاء والكوفة ودور العراق في عصر الظهور، مستلهماً من هذه الخدمة استعداداً لاستقبال العالم ونصرة الحق. ويمنح العراق صورة وطنٍ مثقل بالجراح، لكنه يظل مرفوعاً بالعطاء والوفاء وانتظار اللقاء الموعود.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!