كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الحاكم والمحكوم في الرواية القصيرة جداً ( المقايضة ) للاديب حميد الحريزي 

الأديب يمثل شعلة من المثابرة والإبداع، في الانغمار والممارسة في أصناف وأشكال الأدب: «الشعر، السرد القصصي والروائي، ناقد أدبي، وناشط في الحركة المدنية والشعبية». وبرز، في السنوات الأخيرة، في تعامله بجنس حديث في لغة السرد الروائي، وهو الرواية القصيرة جداً، وله عدة أعمال روائية في هذا المجال السردي الحديث، الذي يعتمد على التكثيف والاختزال، والتركيز على الحدث السردي السريع، الذي يتلاءم مع تطورات العصر الحديث.

رواية قصيرة جداً، لا تتطلب جهداً ووقتاً طويلاً، بل رواية يمكن أن يختمها بوقت قصير جداً، دون تفاصيل كثيرة ومتشعبة. خصص هذا السرد الروائي القصير أن يكون بصيغة ساخرة متهكمة وانتقادية بشكل حاد.

وهذه الرواية القصيرة جداً «المقايضة» هي كشف عيوب النظام الشمولي وتعريته بالتفاصيل اليومية الدقيقة، بشكل ساخر بالكوميديا السوداء، الذي يعمل بتعامله ونهجه الإرهابي في تشويه المجتمع سياسياً واجتماعياً ودينياً، أي خلق مجتمع على مواصفات وقياسات الملك المعظم، في سلوكه الذي يضع المواطن تحت المجهر، في الترصد والمراقبة والتصيد، إذا خالف تعاليم الأخ الكبير أو الملك المعظم، رأس النظام الشمولي.

وكثير من الروايات تتحدث عن أساليب النظام الدكتاتوري ونظامه الذي يعتمد على البطش والتنكيل، مثل رواية «1984»، ورواية «مزرعة الحيوان»، وكثير من الروايات التي تفضح وتعري أساليب النظام الشمولي، أن يضع المواطن محصوراً في زاوية ضيقة، ليس له مناص سوى الطاعة العمياء، وأن يردد مثل الببغاء ما يُطلب منه، أن يطبل بالمجد العظيم والتعظيم للملك المفدى، كأن الحياة توقفت عن نشاطها وتطورها، واقتصرت على تعظيم الملك المعظم، وهي عملية غسل الأدمغة تبدأ من الطفولة حتى يوم حتفه.

والسرد الروائي يرتكز على حكاية قد تبدو غريبة الأطوار، ولكن ليس هناك غرابة، طالما النظام الاستبدادي يطلب اللامعقول من المواطن، بالخضوع الذليل والطاعة العمياء للملك المعظم.

تبدأ الحكاية بأن أحد صحفيي العالم الديمقراطي يغامر في عمله الصحفي، في المجيء إلى مملكة الملك المعظم، في مغامرة ومجازفة، في تفقد أحوال رعية المملكة، ليكشف أساليب وسلوك وتصرفات تجاه المواطن. يطلب السماح له بدخول المملكة، وأن يوافق على كل الشروط والتعليمات الصارمة، بأن يشاهد ويسمع ولا يعترض، ولا يتدخل في التفاصيل اليومية في حياة المواطن، ولا يجري حواراً مع أي مواطن، وأن يكون برفقة عسس النظام.

ووافق على «أن يكون ملزماً بارتداء جلباب خاص، يغطي جسده بكامله، ابتداءً من رقبته حتى أخمص قدميه، وألّا يخلعه أبداً طوال وجوده في المملكة، وإلا سيكون رأسه ثمناً لخرق التعليمات».

هذه الإجراءات الصارمة والقاسية تشير بوضوح إلى أن النظام الشمولي لا يؤمن ولا يحترم حرية التعبير والرأي الحر، بل يؤمن بقمع حرية التعبير وتكميم الأفواه، وهي جزء من نهج وأسلوب تركيع المواطن بالطاعة العمياء المطلقة، وكذلك إذلاله بأساليب البطش والتنكيل.

وخلال جولاته اليومية، لفت انتباهه أن مواطني المملكة لهم ذيول في مؤخراتهم، فراح يسأل مرافقه: «وهل يولد الإنسان عندكم بذيل؟».

وعرف بعد ذلك أن هذه الذيول في مؤخرات المواطنين دليل الطاعة والإخلاص للملك المعظم، وأجابه مرافقه بفخر واعتزاز: «إننا نفتخر بهذه الذيول، فالذيل هو علامة الإخلاص والطاعة لملكنا العظيم، وإخلاص المواطن لملكه يتناسب طردياً مع طول الذيل، لذلك فإن قرب الفرد وبعده عن الملك يُقاسان بطول ذيله، وستشاهد أن الوزراء وحاشيته وقادة الجيوش تم اختيارهم لأنهم الأطول ذيلاً بين رعايا المملكة».

لذلك، شاهد الذيول في المؤخرات مختلفة الألوان والأحجام، وشاهد أن صور الملك المعظم في كل زاوية وشبر، في الشوارع والساحات وفي المؤسسات الرسمية والأهلية، حتى في البيوت. يمكن أن يكون عدد صور الملك المفدى أكثر من عدد سكان المملكة!

وكذلك ترديد الهتافات بحياة وتمجيد الملك المعظم، صباحاً ومساءً، بهتافات متفق عليها حتى في النغمة والترنم والأداء. واليوم العظيم في المملكة هو عيد ميلاد الملك المعظم؛ تتوقف النشاطات اليومية وتُغلق المؤسسات العامة، لكي تتفرغ لهذا اليوم الموعود، بالتمجيد والتعظيم في إقامة المهرجانات والاحتفالات العامة.

تتوقف كل النشاطات اليومية لإتاحة الفرصة للمواطنين أن يعبروا عن إخلاصهم وطاعتهم بالرقص والتطبيل والغناء: «بالروح، بالدم، نفديك يا ملكنا المفدى». يتوسلون بخضوع وإذلال حتى يعطف عليهم الملك المفدى، أن يقبل ويرضى عنهم الملك المفدى.

والكلاب النابحة «الإعلام الرسمي» تغرد في نباحها، وأقلامها الصفراء تنبح مثل عواء الكلاب، بهذا اليوم العظيم، ليكن الشعار الأوحد: «أنا روحاً وجسداً، أحيا وأعيش من أجل الملك، وهذا المكسب العظيم».

ولا حياة للذي بدون ذيل، حتى حرام عليه أن يستنشق هواء المملكة العظيمة. الويل كل الويل لمن لا ذيل له في مؤخرته: «فلا حياة لمن لا ذيل له في المملكة، فمصيره إما الموت أو العزل التام عن المجتمع».

وفي نهاية جولات الصحفي، ومحاولة شراء ذمته وضميره بالرشوة، في إهدائه بعض الغزلان الجميلات «الفتيات الشابات»، لكنه رفض ذلك؛ لأنه اعتبر هذه الهدية هي الرجوع إلى زمن العبودية، أن تكون الفتاة سلعة أو متعة جنسية تُباع وتُشترى. إنها انتهاك للإنسانية بشكل صارخ في العصر الحديث.

رفض هذه المقايضة، في نظام شمولي مبني على المقايضات: مقايضة الحكم والنفوذ مقابل حياة المواطن، أن يعيش ولا يُهدر دمه مجاناً؛ مقايضة توريث الحكم؛ مقايضة للمواطن أن يكون له ذيل في مؤخرته، دليل الإخلاص والطاعة؛ مقايضة الإرهاب والترهيب. ليس للمواطن حرية الاختيار: إما أن يقبل أن يكون ذيلاً، أو يختار الموت المجاني.

εικόνα.png

التعليقات

يوجد 1 تعليق على هذا المقال.

1
حميد الحريزي من العراق •

شكر وتقدير

تحياتي وتقديري للاستاذ جمعة عبد الله لجهدي النقدي الجميل لروايتي القصيرة جدا (المقايضة) راجيا له المزيد من التالق والتقدم