كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

أجنحة الشوق في سماء كربلاء

 في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب، وهو طائر مسنٌّ خبر أفق السماء ومسارات الرياح، يقف وسط السرب على ضفة البحيرة المالحة. كان ينظر نحو الجنوب بعينين تحملان حنيناً لا يفسره منطق الطبيعة.

التفت القائد إلى أفراد سربه، وقال بصوت يملؤه الوقار:

— «يا رفاقي، أنتم تعرفون أن أجنحتنا تحملنا كل عام هرباً من الجليد، لكنكم لا تعرفون أن السماء التي نعبرها تحمل بين أطرافها أقدس أرض وطئتها الأقدام؛ أرض كربلاء».

تعجبت الطيور الشابة، فسأله طائر فتيّ:

— «كربلاء؟ القفر الذي نمر فوقه في طريقنا إلى الأهوار؟».

ابتسم القائد وهزّ رأسه نفياً:

— «ليس قفراً يا بني، بل هو قلادة الأرض. هناك ينام الإمام الحسين بن علي، سبط النبي محمد. لقد آمنتُ بصلابته وقضيته منذ زمن؛ فهو الذي قام ضد الظلم والطغيان، وقدّم نفسه وأهل بيته قرباناً للحق والحرية. إن جهاده واستشهاده خطّا في ذاكرة الوجود معنى الإباء».

ساد الصمت بين أفراد السرب، واسترسل القائد وهو يلتفت نحو الشفق:

— «وفي هذه الأيام تحديداً، مع حلول زيارة الأربعين، تعود سبايا أهل البيت إلى تلك الأرض، وتتغير قوانين الأرض هناك! ينحسر العالم كله ليتدفق نحو قبره من كل حدب وصوب، حفاةً ومجتمعين، ليعزّوا نبيّهم ويجددوا العهد مع الثائر الخالد».

تأثر أحد أفراد السرب الفتيان بكلام القائد، وخفق قلبه بمشاعر لم يعهدها من قبل، فتقدم بثبات وقال:

— «أيها القائد، إذا كان شأن هذا الإمام كبيراً عند الله والناس بهذا القدر، فلماذا نكتفي بالنظر من بعيد؟ لنطِرْ الآن ونذهب لزيارته في أربعينيته!».

نظر إليه القائد بحيرة، وأجاب بصوت هادئ:

— «ولكن يا بني، إننا الآن في أواخر شهر أغسطس، وموعد هجرتنا السنوية المعتاد لا يبدأ إلا في أواخر سبتمبر أو نوفمبر، حيث تنخفض الحرارة في الشمال، ونبدأ رحلتنا لنصل إلى أهوار جنوب العراق في فصل الشتاء! إنها مخالفة لمواعيد الطبيعة التي درجنا عليها».

ردّ الطائر الفتي بصرامة وشوق:

— «ولكنك أخبرتنا عن فضل الإمام وعظيم منزلته! لقد أوقدت في قلبي رغبة أن أنال هذا الفضل وهذه الكرامة.. ألا تستحق منا الأرواح أن نكسر لأجلها قيود المواعيد؟».

تعالت الأصوات بين أفراد السرب، وضجّ الأفق بخفقات أجنحتهم، وهم يصيحون بصوت واحد:

— «نعم أيها القائد! نؤيد الفكرة.. لنذهب وننل الفضل والبركة!».

تأثر القائد بموقف سربه، ولمس في عيونهم صادق الشوق. أومأ رأسه بموافقة وإجلال، وقال:

— «إذن، لتخضع قوانين هجرتنا لسلطان الحب. انطلقوا!».

شقّ السرب عنان السماء قبل أوانه، قاطعين آلاف الكيلومترات فوق الجبال والبراري، ومحلقين بسرعة تسبق شوقهم. وبعد رحلة شاقة، ظهرت من بين الغمام قبة ذهبية تتوهج بنور نهار كربلاء، وتجلّت تحتها بحور البشر وهي تزحف نحو المرقد الشريف.

انخفض السرب برفق، وحلّقوا في أسراب منتظمة فوق قبة الإمام الحسين (عليه السلام)، يطوفون بدوائر ناعمة، ويرفرفون بأجنحتهم الوردية، ويلقون السلام بأسلوبهم الفطري الجميل على سبط الرسول، متناغمين مع حمام الحرم ونداءات الزائرين.

بعد أن طافوا وشهدوا نور المكان، ونالوا بركة الزيارة التي قاطعت مواعيد زمانهم، ارتفع السرب مجدداً في السماء، مكملين وجهتهم ومسارهم نحو الأهوار، وهم يحملون في أرواحهم طمأنينة لا تشبهها طمأنينة، بعد أن أثبتوا أن العشق للحرية والحق لا يعترف بتقويم ولا مواعيد هجرة.

✦ كتابات في الميزان ✦

تنسج القصة من هجرة طيور الفلامينكو رحلةً رمزية يقودها الشوق إلى الإمام الحسين (ع)، فتتقدم حرارة الولاء على قوانين الطبيعة ومواعيدها. ويمنح الحوار بين قائد السرب والطيور الفتية النص روحاً وجدانية تحتفي بقيم التضحية والحرية ورفض الظلم. وتبلغ القصة ذروتها حين تتحول الأجنحة الوردية فوق قبة كربلاء إلى تحية فطرية تؤكد أن للحسين حضوراً يتجاوز حدود الإنسان والمكان والزمان.

اجنحة_الشوق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!