كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المشتركات الأخلاقية ليست معياراً للانتماء

 ثمة فرق أساسي بين القيم الإنسانية والأخلاقية العامة وبين المناهج الفكرية والدينية الخاصة.
فنصرة المظلوم، ورفض العدوان، والشجاعة، والإيثار، والرحمة بالضعيف، قيم يدرك البشر حسنها في الجملة، وقد نجد نماذج منها عند أصحاب أديان وفلسفات متباينة، بل وعند من لا يؤمن بدين أصلاً.
فقد يدافع مسيحي عن مسلم مظلوم، أو يضحي ملحد في سبيل شعب مضطهد، وهذه مواقف أخلاقية شريفة، لكنها لا تجعل الأول شيعياً ولا الثاني مسلماً.
وكذلك ليس كل من قاوم ظالماً حسينياً.
فالانتماء إلى مدرسة فكرية أو دينية لا يتحدد بالمشتركات الأخلاقية التي قد يجتمع عليها أصحاب العقائد المتناقضة، بل بالأصول والمبادئ والمرجعية التي تنتظم مواقف أتباعها.
فليس كل من مارس التجارة رأسمالياً، ولا كل من أعان فقيراً اشتراكياً، ولا كل من دعا إلى المساواة ماركسياً؛ لأن الفعل الخارجي الواحد قد يصدر عن مبانٍ فكرية مختلفة بل متناقضة.
ومن هنا ينبغي التفريق بين قولنا:
وافق الحسين في موقف.
وبين قولنا:
انتمى إلى نهج الحسين واتّبعه.
فالأول قد يتحقق بمجرد الالتقاء في فعل، أما الثاني فيتوقف على معرفة ما هو هذا النهج وما أصوله والمرجعية التي تنتظم مواقفه.
والحسين (عليه السلام) لم يكن رفضه لبيعة يزيد نابعاً من قيمة إنسانية مجردة بعنوان «رفض الذل».
كان مسلماً مؤمناً بالله ورسوله وكتابه، بل كان ـ بحسب عقيدتنا الإمامية ـ إماماً معصوماً وحجة لله، تدور مواقفه مدار التكليف الإلهي.
فكانت مقاومته عبادة لله، كما كان صبره عبادة لله، وكان وفاؤه بالعهد عبادة لله كما كان رفضه لبيعة يزيد عبادة لله، وكان حفظه لنفسه في ظرف عبادة لله كما كان بذلها في ظرف آخر عبادة لله.
فإذا اقتطعنا من سيرته قيمة أخلاقية مشتركة ـ كرفض الظلم أو نصرة المظلوم ـ وجعلناها تمام الحسينية، لم نكن قد عرّفنا «الحسينية»، بل أخذنا المروءة الإنسانية العامة وأطلقنا عليها اسماً حسينياً.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!