كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

النداء الذي مزق الصمت

 غلامٌ لم يبلغ الحُلُم، يتلألأ وجهُه كفلقةِ القمر، وتلمع عيناه كبريقِ النجوم في كبد السماء. لباسُه الشجاعة، شعارُه الإرادة، وعقيدتُه الثبات.

خرج ذات يومٍ مع ذلك الركب الإلهي مودِّعًا أرضه، مصاحبًا عمَّه.
مضت الأيامُ تباعًا، حتى حطَّ الركبُ رحالَه في أرضٍ مقفرةٍ يابسة، تلفحها شمسٌ محرقة، ويشقُّها نهرٌ واحد، فنُصبت الخيام. وعند حلول الليل، سأله عمُّه: «يا بُني، كيف ترى الموت؟» فأجابه بقلبٍ مفعمٍ بالإيمان: «فيك أحلى من العسل.»
كان يرى في عمِّه أبًا وقائدًا، يحبُّه حبًّا جمًّا، ويفديه بأغلى ما يملك؛ روحه. وبينما هم كذلك، اشتدّ أوارُ القتال، وانكشفت حقيقةُ جلاوزة الطغيان، فمضى الأحبةُ والأصحابُ إلى درب الشهادة نصرةً لأبي الأحرار.
عندها أسرع الغلام إلى عمِّه قائلًا: «عمّاه، فدتك نفسي، ائذن لي بالقتال.» فرد عليه عمه: يا بُني، ارجع، فأنت بقيةُ أخي وروحه.
فعاد إلى أمِّه حزينًا، فأخرج وصيةَ أبيه، التي أوصاه فيها بنصرة أخيه، فضمَّها إلى صدره، ثم أسرع بها إلى عمِّه، فناوله إياها. فأخذها، وفتحها، وما إن قرأ ما فيها، حتى انكسر قلبُه، فضمَّ الغلام إلى صدره وقبَّله، ثم أذن له بالقتال.
برز الغلام كالشهاب يشق ظلمة الميدان، يرتجز للقتال، ولم يكن عليه إلا قميصٌ وإزارٌ. قاتل قتالَ الأبطال ببسالة، حتى انقطع شِسعُ نعله، وبينما كان واقفًا يُصلحه، غدر به أحدُ فرسان القوم، فضربه على رأسه، فوقع الغلام على الأرض ينادي بأعلى صوته: «يا عمّاه... يا عمّاه...»
فانقضَّ إليه عمُّه كليثٍ هصور، فتفرَّق القوم من حوله، وتركوا الغلام مضرَّجًا بدمائه. احتضنه، وحمله بحرقةٍ وألم، وهو يرثيه قائلًا: «عزَّ واللهِ على عمِّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك صوته.» ثم عاد به إلى الخيام، وقلبُه يعتصره الأسى، بعدما ارتقى ذلك الضياء شهيدًا، تاركًا في أرضٍ ارتوت بالدم ذكرى لا تمحوها السنون... ومنذ ذلك النداء، لم يعد للصمت مكان.

✦ كتابات في الميزان ✦

يستحضر النص شهادة القاسم بن الإمام الحسن (عليهما السلام) بلغة وجدانية، جاعلًا من ندائه الأخير «يا عمّاه» صرخةً مزّقت صمت الميدان وكشفت وحشية الطغيان. ويقدّمه رمزًا للإيمان المبكر والوفاء والشجاعة التي لا تُقاس بالعمر، بل بصدق الموقف وعظمة التضحية.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!