كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 الاهتمام بمقارنة منطق القرآن مع المنطق العقلي الفطري في الإقناع بقلم السيد محمد باقر السيستاني

فإنّ الدين ينطلق في مقام إقناع الناس من منطق تبناه ويجري عليه بطبعه، وحينئذٍ ينبغي لنا أن نتأمل مدى تطابق هذا المنطق مع المنطق العقلي الفطري، وذلك من خلال ملاحظة القرآن الكريم الذي هو ـ من الناحية التاريخيّة ـ أوثق رسالة دينيّة مطروحة في أوساط الناس من خالق هذا الكون والحياة إلى الإنسان، كما أنّه من الناحية المضمونيّة أنسب وأروع في تعاليمه بمجموعها من سائر الكتب الأخرى، حتّى أذعن بروعته بعض أهل العلم من الأديان الأخرى.
وعند ملاحظة نصوص القرآن الكريم نرى بوضوح أنه ينطلق في قاعدته الأساسيّة لإقناع الناس أيضاً من الإذعان بالعقل بنوعيه النظريّ والعمليّ متوافقاً مع البديهة المتقدّمة من لزوم الانطلاق من ذلك.

أمّا ارتكازه على العقل النظريّ فلأنّنا نشهد كثيراً في آيات القرآن الكريم التركيز على العقل، ومحاولة إثارة التفكُّر والتعقُّل والتدبُّر بأشكال مختلفة من خلال استنطاق الكون واكتناهه، ودلالات الكائنات على ما وراءها، ومقايسة مضمون الرسالة الإلهيّة المطروحة بمقاييس العقل النظريّ كما جاء في ذيل كثير من الآيات بعد ذكر روائع من مشاهد الحياة قوله تعالى : لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وقوله :لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

 ومن المعلوم أنّ هذا الأسلوب في الإقناع ينطلق من التحفيز والتحريك للعقل وإثارته، وقد ورد في خطبةلأمير المؤمنين (عليه السلام) ما يدلّ على أنّ الغاية الأصليّة لبعث الأنبياء هي إثارة العقل، وتحفيزه للإدراك، حيث قال: «وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ،وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ: مِنْ سَقْف فَوْقَهُمْ مَرْفُوع، وَمِهَاد تَحْتَهُمْ مَوْضُوع، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَال تُفْنِيهمْ، وَأَوْصَاب تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاث تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ».

 وأمّا ارتكازه على العقل العمليّ فلأنّنا نجد أنّ القرآن يُلزِم الإنسان بالإيمان بالله تعالى على أساس شكره، ومن المعلوم أنّ الشكر مفهوم أخلاقيّ، كما أنّه تضمّن جعل المعروف والمنكر أساساً لتشريعات الدين؛ بل احتجّ على صدق النبيّ فيما أتى به من الرسالة بأنّ مضمون رسالته هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعروف هو ما عرفه الناس بعقولهم واطمأنّوا إليه، والمنكر ما أنكروه ورغبوا عنه بفطرتهم، فهما مفهومان أخلاقيّان جامعان للأفعال النبيلة وأضدادها.
 قال سبحانه وتعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ}.


 نعم لا شكّ في استعانة الدين بالمعاجز في إقناع الناس، إلّا أنّ التعويل لم يكن على مجرّد المعجزة؛ بل وقع الاحتجاج بها في القرآن في المرتبة الثانية؛ ولذلك نجد في مواطن عديدة منه عدم استجابة الله تعالى لما كان يقترحه الكفّار على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من المعاجز حتّى يؤمنوا برسالته، وربّما يظهر من بعض تلك الآيات رغبة النبيّ في الاستزادة منها، في سياق مسعاه لهداية الناس وحسرته على إصرارهم على الضلالة، قال تعالى : وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ.

 هذا على أنّ دلالة المعجز أيضاً ممّا تعتمد على العقل؛ باعتبار كونها عملاً خارقاً لا يتأتّى من إنسان، فيدلّ على ارتباط الإنسان بقوّة خارقة.

 وبذلك كلّه يظهر: أنّ ما يُتداول في بعض الأوساط من أنّ منطق الدين هو الاعتماد على دلالة المعاجز والخوارق ليس صحيحاً؛ بل جلّ اعتماد الدين ـ خصوصاً الإسلام ـ على تحفيز العقل والتفكّر في مضمون الدين وإثارة روح التأمّل والتفكير لدى الإنسان.

 وبهذا يتجلّى أنّ الدين الإلهيّ المتمثّل في دين الإسلام ـ الذي هو محصّل الأديان وخاتمها ـ ينطلق من نفس المنطلق الفكريّ الفطري العام من الإذعان بالعقل النظريّ في استنباطاته الواضحة، وبالعقل العمليّ من خلال ما يشهده الإنسان بفطرته الصافية.

 وإذا كان في التعاليم الدينيّة ثمّة ما يعتقد بعض الناس أنّه يخالف العقل


  فلابدّ من التثبّت عمّا إذا كان للدين تفسيراً أو تأويلاً لذلك، بعد إصراره على أنّ العقل والعقلانيّة هما أساسه ومبنى الإقناع لديه....
  راجع كتاب اتجاه الدين لسماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني (دامت بركاته)

الاهتمام_بمنطق_القرآن.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!