ليست المشكلة أن خزينة الدولة فارغة بل أن الذاكرة السياسية ممتلئة بالأعذار ، وليست الأزمة في قلة المال بل في كثرة الأيدي التي تعرف طريقها إليه أكثر من معرفتها طريق الإصلاح .
كلما أعلنت الحكومة عن أزمة مالية شعرت أن المواطن تحول رسميا إلى وزارة للتمويل ، لأن أول فكرة تخطر في أذهان الساسة هي كيف نأخذ من الفقير أكثر ، لا كيف نوقف نزيف المال العام وكأن البسطاء هم من كتبوا الموازنات وهم من وقعوا العقود وهم من صنعوا هذا الخراب .
الغريب أن أحدا لا يسأل كيف يعقل لبلد يجلس فوق بحر من النفط أن يقف كل فترة مستجديا السيولة ، وكأن الثروة قررت الهجرة إلى بلاد أخرى بينما الحقيقة أنها لم تهاجر بل غيرت عنوانها فقط ، وانتقلت من خزائن الدولة إلى جيوب يعرفها الجميع ولا يجرؤ أحد على ذكرها .
ثم يخرج علينا من يحدثنا عن الاستثمار ، وكأنه أعظم اختراع اقتصادي في التاريخ ، بينما ما يجري في كثير من الأحيان ليس استثمارا بل عملية أنيقة لتحويل المال العام إلى أرباح خاصة ، فالوزارة بقيت باسم الدولة والموظف بقي من أبناء الدولة والمراجع هو المواطن نفسه لكن الإيرادات اكتشفت فجأة أنها لا تعرف طريق الخزينة .
أصبح المواطن يدفع الرسوم في مؤسسة حكومية ، ثم يخرج وهو يشعر أنه زار شركة خاصة ، وأصبح الموظف يعمل في وزارة حكومية بينما الأرباح تعمل في وزارة أخرى ، اسمها جيوب المنتفعين ثم يأتي السياسي ليقف بكل ثقة أمام الكاميرات ، ويسأل لماذا نعاني من نقص الموارد ، وكأن اللص نفسه يسأل من سرق المنزل .
لو كانت هناك إرادة حقيقية للإصلاح ، لكان أول قرار هو إعادة مفاصل الدولة إلى الدولة ، ( وتأميم ) المؤسسات التي تحولت إلى مناجم ذهب لفئة قليلة ، عندها ستعود الإيرادات إلى مكانها الطبيعي وستتوقف الحكومة عن معاملة راتب الموظف وكأنه آخر بئر نفط متبقية في العراق .
المضحك أن كل مشروع إنقاذ يبدأ بتقشف المواطن ، ولا ينتهي أبدا بتقشف المسؤول ، فالفقير مطالب بالتضحية والمتقاعد مطالب بالصبر والموظف مطالب بالتحمل أما أصحاب الامتيازات فيبدو أنهم يعيشون في دولة أخرى لا تسمع بالأزمات ولا تعرف معنى العجز المالي .
أيها السادة لا تبحثوا عن السيولة في جيوب الناس ، ابحثوا عنها في ثقوب الإدارة ، التي تسرب منها المال سنوات طويلة لأن الخزائن لا تفلس وحدها بل يفلسها من يديرها بعقل يرى المواطن حصالة نقود ويرى نفسه عبقريا كلما كسرها .
وحين يصبح علاج كل أزمة هو الضغط على الفقير ، فاعلموا أن المشكلة ليست في الاقتصاد ، بل في طريقة التفكير لأن الدولة التي تعيش على استنزاف شعبها تشبه تاجرا يأكل من رأس ماله ثم يتفاخر كل مساء بأنه ما زال يفتح دكانه .
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع النص يده على مفارقة مؤلمة: بلد غني بالموارد يبحث عن السيولة في جيوب مواطنيه بدل البحث عنها في منافذ الهدر وسوء الإدارة. وبسخرية لاذعة، يحوّل الأزمة المالية من مسألة أرقام إلى سؤال عن فلسفة إدارة الدولة وعدالة توزيع الأعباء. وتبلغ الفكرة ذروتها في أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تقشف الفقير والموظف، بل من إعادة المال العام إلى مساره وإغلاق الثقوب التي تستنزفه.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!