كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

من المنطق إلى الاحتمال .. جوهر المنهج المعرفي عند المفكر محمد باقر الصدر

 في دراستي الموسومة الأصول المعرفية لدى الشهيد محمد باقر الصدر (2006) انطلقتُ من فرضية أساسية مفادها أن الشهيد الصدر لم يقدم مجرد نقد فلسفي ، بل قدم  إعادة هندسة للمنطق البشري , واليوم ، وبعد عقدين على تلك الدراسة ، أجد أن أهم ما يستحق التوقف عنده هو إبداعه في توظيف نظرية الاحتمالات ,  كجسرٍ عبَر به من ضبابية التخمين إلى يقينية العلم.

نظرية الاحتمالات( المحرك الأساسي): 
لقد تجاوز الصدر في بحثه التبعية التاريخية للمنطق الأرسطي ، حيث أدرك أن الاستدلال الاستقرائي الذي يقوم عليه العلم الحديث يفتقر إلى مبرر منطقي يقيني إذا ما بقي ضمن الأطر التقليدية. 
لقد أعاد الصدر صياغة الاستقراء باستخدام حساب الاحتمالات ، موضحاً أن تراكم القرائن (Evidence Accumulation) ليس مجرد إضافة كمية ، بل هو عملية توالد ذاتي للمعرفة.
في دراستي ، حللتُ كيف أن الصدر لم يتعامل مع الاحتمال , كدرجة من درجات الشك ، بل كأداة موضوعية , إنه يرى أن تكرار الظاهرة في ظل ظروف متنوعة يرفع احتمال التلازم (Correlation) إلى درجة تقترب من الواحد الصحيح (اليقين) وهو ذات المبدأ الذي نعتمد عليه اليوم في العلوم التطبيقية والزراعية ؛ فحين نختبر تأثير سماد معين على إنتاجية المحصول ، نحن فعلياً نطبق الاستقراء الصدري عبر مراقبة تكرار النتائج وتراكم القرائن الإحصائية.
جسرٌ بين الفلسفةِ والتحليلِ الإحصائي 
في صميم دراستي ، استوقفتني نقطة تقاطع مذهلة بين نظرية الاحتمالات عند المفكر الصدر وبين آليات العمل الإحصائي في بحوثنا الزراعية والبيولوجية.
 إن جوهر المشكلة التي عالجها الصدر هو:  كيف ننتقل من (الاحتمال) الذي يحيط بالظواهر إلى (اليقين) الذي يحتاجه الباحث لاتخاذ قرار؟
لقد وضع الصدر ما نسميه اليوم بالاستدلال على أساس القرائن المتراكمة, ففي بحوثنا العملية ، نحن نفعل الشيء نفسه تماماً ؛ فعندما نطبق اختبارات الفروق المعنوية ، مثل اختبار (Duncan’s Multiple Range Test)  أو (Least Significant Difference - LSD) فإننا لا نبحث عن اليقين المطلق في كل مكررة حقلية ، بل نبحث عن درجة من المعنوية الإحصائية التي تجعلنا نطمئن إلى أن النتائج لم تأتِ عن طريق الصدفة.
إن فلسفة الصدر في حساب الاحتمالات تشبه إلى حد بعيد منطق الاختبار الإحصائي ؛ فالصدر يراكم الاحتمالات حتى تتضاءل احتمالية الصدفة إلى درجة الصفر، فينتج اليقين (التوالد الذاتي) تماماً كما نراكم نحن المشاهدات ونحسب التباين لنستبعد فرضية العدم ، حتى نصل إلى مستوى المعنوية الذي يُعطينا الثقة. 
إن كلاهما يعمل على كشف اليقين من الشك.
خاتمة: دعوة لإعادة القراءة 
 إن تركيزي في تلك الدراسة لفكر الصدر المعرفي , لم يكن من قبيل الترف الفلسفي ، بل كان إيماناً مني بأنه وضع الخوارزمية المعرفية قبل أن تسيطر الخوارزميات الرقمية على حياتنا كما هو في حال الذكاء الاصطناعي , لذا كان فكره  يتجاوز حدود عصره ؛ فهو يقدم أدوات منهجية نحتاجها اليوم في عصر انفجار المعلومات. 
إن دراستي التي تعود لعام 2006  (دور الشهيد محمد باقر الصدر في نظرية المعرفة) واليوم اقوم  بأعدادها من جديد لتكون  على شكل كتاب تحت عنوان (الاستدلال الاحتمالي عند المفكر محمد باقر الصدر وتطبيقاته في العلوم الزراعية باستخدام الذكاء الاصطناعي) تظل دعوة مفتوحة للباحثين لقراءة نقدية ومعاصرة لأصول المعرفية ، ليس فقط للإحاطة بما قدم هذا الفيلسيوف الكبير ، بل لاستلهام منهجية التفكير التي تجمع بين صرامة المنطق ومرونة الاحتمال.
 إن الباحث الذي يتقن قراءة الصدر، يمتلك بلا شك رؤية أعمق عند تحليل أي بيانات معقدة ، مدركاً أن وراء كل رقم إحصائي فلسفة احتمالية تقف خلفه لتعزز مصداقيته العلمية التي تقدم لنا دليلاً منهجياً لفهم كيف نبني الحقيقة وسط عالم يتسارع ببياناته وتغيراته؟!
اخيرا مقالتي هذه ليست سوى تذكير بأن العقل العربي الفذ الذي تمثل في الصدر ، حين يتخلص من قوالب التقليد ، سيكون قادراً على صياغة نظريات تضاهي ، بل وتسبق المناهج العلمية المعاصرة.

✦ كتابات في الميزان ✦

يبرز المقال إسهام المفكر محمد باقر الصدر في إعادة بناء الاستدلال الاستقرائي، من خلال توظيف نظرية الاحتمالات لتفسير الانتقال من تراكم القرائن إلى الاطمئنان المعرفي.
ويرسم الكاتب تقاطعًا بين فلسفة الصدر وآليات التحليل الإحصائي في البحوث الزراعية والبيولوجية، حيث تتراكم المشاهدات لاستبعاد أثر المصادفة وتعزيز الثقة بالنتائج.
كما يرى أن هذا المنهج يمتلك قابلية معاصرة للتطبيق في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، بما يكشف عن سبق فكري يتجاوز حدود عصره.
وتكمن أهمية المقال في الدعوة إلى قراءة الصدر بأدوات حديثة، مع ضرورة التمييز المنهجي بين اليقين الفلسفي والثقة الإحصائية؛ فبينهما تقاطع مهم، لكنهما ليسا متطابقين تمامًا.

محمد باقر الصدر.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!