كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فضل الزيارة الأربعينية بين العلامة الطباطبائي ومنهج الشيخ محمد الأمين الشنقيطي 

ليست الأربعين مجرد موعدٍ زمنيٍّ يتكرر كل عام، بل هي ذاكرة أمةٍ ترفض أن يطوي النسيان أعظم ملحمةٍ أخلاقية في التاريخ الإسلامي. ففي الطريق إلى كربلاء تمتزج الخطى بالدموع، ويغدو المشي لغةً لا تحتاج إلى ترجمان، لأن القلوب قبل الأقدام تعرف وجهتها. 
وكما قال الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون: "الذاكرة ليست حفظ الماضي، بل استمرار حضوره في الحاضر." ومن هنا كانت الأربعين استحضارًا دائمًا لقيم العدل والحرية والتضحية.
 التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام.

لقد قرر القرآن الكريم مبدأ تعظيم الرموز الإلهية بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. ويرى العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في الميزان أن الشعائر ليست محصورة في مناسك الحج وحدها، بل تشمل كل ما أصبح عنوانًا للهداية والتقوى، مما يفتح المجال لفهم زيارة الإمام الحسين عليه السلام.
 بوصفها من أبرز مصاديق إحياء شعائر الله، لما تمثله من إحياءٍ لقيم الإسلام التي حفظها الحسين بدمه.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله مكانة الإمام الحسين ع بقوله: «حسينٌ مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا.» فهذا الحديث لا يقتصر على بيان النسب، بل يكشف عن الامتداد الرسالي بين النبي وحفيده، وأن محبة الحسين والاقتداء به من معالم الولاء للرسالة.

وفي تراث أهل البيت عليهم السلام.
 وردت نصوص كثيرة في فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام، ومن أشهرها.
 ما روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.» وقد أصبحت هذه الرواية من أهم الأدلة التي استند إليها فقهاء الإمامية في استحباب زيارة الأربعين، وعدّها من الشعائر التي تعمق الانتماء لنهضة كربلاء.

ومن زاويةٍ فكرية، فإن الطباطبائي ينظر إلى الزيارة على أنها ليست مجرد انتقالٍ إلى مكان، وإنما انتقالٌ من الغفلة إلى الوعي.
 ومن الجمود إلى الحركة.
 ومن الخوف إلى المسؤولية.
 فالزائر الحقيقي لا يعود كما ذهب، بل يحمل معه رسالة الإصلاح التي خرج من أجلها الإمام الحسين عليه السلام حين قال: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.»

أما الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، صاحب أضواء البيان، فإنه لم يكتب بحثًا خاصًا في زيارة الأربعين، ولم يرد عنه نص يرفضها بالاسم، إلا أن منهجه الأصولي يقوم على أن العبادات توقيفية، فلا يثبت استحباب عبادة أو تخصيص زمان أو مكان إلا بدليل يراه ثابتًا وصحيحًا.
 ولذلك لم يثبت عنده استحباب خاص لزيارة الأربعين، لأن الروايات التي يعتمد عليها فقهاء الإمامية ليست من مصادر الاحتجاج عنده.

ومن هنا يتبين أن موقف الشنقيطي ليس اعتراضًا على شخصية الإمام الحسين عليه السلام، ولا إنكارًا لفضله، وإنما هو نتيجة لاختلاف المنهج في الاستدلال. فالطباطبائي يعتمد القرآن الكريم مع السنة الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، بينما يقتصر الشنقيطي على المصادر الحديثية التي يعتمدها جمهور علماء أهل السنة. ولذلك اختلفت النتيجة لاختلاف المباني العلمية.

ومع ذلك، فإن مناقشة هذا الرأي تُظهر أن مفهوم الشعائر في القرآن الكريم جاء عامًا، ولم يحصر مصاديقه في مورد واحد، كما أن حفظ القيم التي استشهد من أجلها الإمام الحسين عليه السلام 
يُعد من أعظم وجوه إحياء الدين. 
فإذا كانت الزيارة تدعو إلى الصلاة، والإصلاح، والأخلاق، ونبذ الظلم، وترسيخ الوحدة الإنسانية، فإنها تندرج ضمن الأعمال التي تحقق مقاصد الشريعة، ولا تنفصل عنها.

وقد قال الإمام علي عليه السلام: «الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق.» وهذه الكلمة الخالدة تختصر الرسالة الإنسانية التي تجتمع عليها الملايين في طريق الأربعين؛ إذ تتجسد فيها قيم الإيثار والرحمة والتكافل دون تمييز بين قومية أو لغة أو انتماء.

إن الأربعين ليست مسيرة أقدام فحسب، بل مسيرة ضمائر، وليست تجمعًا بشريًا عابرًا، بل مدرسةٌ أخلاقية تُعيد صياغة الإنسان على قيم العطاء والوفاء.
 ومن هنا رأى العلامة الطباطبائي أنها من أبرز مصاديق تعظيم الشعائر، بينما لم يثبتها الشنقيطي وفق منهجه في الاستدلال. 
ويبقى هذا الاختلاف اختلافًا في مناهج الاستنباط، لا في مكانة الإمام الحسين عليه السلام، الذي أجمع المسلمون على فضله، وأنه سيدٌ من سادات شباب أهل الجنة، ورمزٌ خالدٌ للإصلاح والكرامة.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقدّم المقال زيارة الأربعين بوصفها ذاكرةً حيّة تستحضر نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتحول قيم العدل والتضحية والإصلاح إلى سلوكٍ متجدد. وينطلق الكاتب من عموم مفهوم تعظيم شعائر الله ليرى أن الزيارة تمثل مظهرًا من مظاهر إحياء الدين وترسيخ الوعي الأخلاقي.

الاربعين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!