هُو الْحَييُ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ
عِنْدَ التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالْعِصْيَانِ
لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيهِ سِتْرَه
فَهُو السَّتِير وَصَاحِبُ الغُفْرَانِ
التعريف:
ستَر الشَّيءَ أي: غطَّاه أو أخفاه.
وكُلُّ شيءٍ سَتـَـرْتَه فالشَّيءُ مَستورٌ .
إنَّ السترَ فضيلةٌ ساميةٌ، وخُلُقٌ نبيلٌ يُتَوِّجُ صاحبَه .
قال النبي صلى الله عليه وآله : " اُسْتُرُوا عَلَی إِخْوَانِكُمْ . " . مستدرك الوسائل ج١٢ص٤٢٦.
بما أن أغلب البشر ليسوا بمعصومين من الخطأ والزلل، وعُرضةً للنقائص والعيوب، يسعى الكثيرون لبلوغ درجاتٍ من السمو، تحلّق بهم نحو آفاق الكمال الروحي، لترتقي إلى مراتب رفيعة.
لذلك، تجد بعض المؤمنين في جهادٍ دائمٍ مع النفس؛ تفادياً لاقتراف الذنوب والمحرمات التي قد يقعون فيها جهلاً أو غفلةً.
قال الشاعر:
إِبْلِيسُ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى ... كَيْفَ الْخَلَاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي.
يحتدم الصراع في نفس الإنسان بين قوتين متناقضتين يتصارعان للغلبة؛ حيث يفوز الأقوى إرادةً والأكثر صبراً وثباتاً.
فبينما يشق الجهل والشيطان طريق الرذيلة والانحطاط، يمضي العلم والإيمان بالله في مسار الأخلاق والرفعة والكمال.
فتتولد لدى الإنسان العاقل إرادةٌ وعزيمةٌ يسعى بهما إلى تزكية أعماله، والسير نحو الكمال الروحي؛ بالعودة إلى الله تعالى والتوبة عما بدر منه من زلات، مستعيناً به سبحانه لتسديد خطاه في الحاضر والمستقبل.
لهذا نجد أن الساعين في هذا الطريق يحرصون على تنزيه أخلاقهم وتعاملاتهم، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الآخرين؛ إيماناً منهم بأن جوهر الدين حُسن المعاملة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
قال الشاعر:
أَصَمُّ عَنْ قِيلِ الْخَنَا سَمْعُهُ ... وَمَا عَنِ الْخَيْرِ بِهِ صَمَمُ
يَرى هؤلاء أن التدخل في خصوصيات الناس الخفيّة وتتبّع شؤونهم أمرٌ محظور، لا يُستثنى منه إلا ما تعلّق بمقتضيات القضاء ودواعي الإصلاح، أو بيان إحسانهم.
وبناءً عليه، يفضّلون تقليل الاختلاط تحرّزاً من الاطلاع على الخبايا أو هتك الأستار، امتثالاً لقوله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}. الحجرات١٢.
فالتجسس تتبّعٌ للمستور وإشاعةٌ له، ومؤدّاه إلى الغيبة التي تُعدّ من أشنع المحرّمات، إذ صوّرها القرآن الكريم بأكل لحم الأخ ميتاً.
ولو تدبرنا الآيات القرآنية الداعية إلى ستر عورات الناس، والكف عن تتبع زلاتهم؛ لارتقينا في مدارج الكمال الروحي، ولغمرتنا ألطاف الرحمة الإلهية.
فمتى ما اشتغل المرء بتقصّي خصوصيات الناس، فتح على نفسه أبواب التلصّص وتتبّع العثرات؛ لتغدو تلك المعلومات مادةً حافلة في المجالس المشحونة بالقيل والقال، ووسيلةً لتكشّف السرائر وهتك الأستار.
قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) النور١٩.
لأجل ذلك؛ ينأى أصحاب النفوس الشريفة بأنفسهم عن فضول المخالطة؛ صوناً لها من الغيبة، واشتغالاً بإصلاح شؤونهم.
ذلك أن الخوض في عيوب الناس مُحرَّمٌ شرعاً، ومذمومٌ أخلاقاً، ومُسقِطٌ للمروءة اجتماعياً.
قال الشاعر:
وسترتُ عيبهمُ وكنتُ مجاهداً ... مَن رامَ نقصهمُ بكلِّ تجاهلِ.
إنّ قبح الفاحشة لا ينحصر في فعلها فقط، بل يشمل الحديث عنها وإشاعتها بين الناس، لأنّ ذلك يؤدّي إلى أمرين:
الأوّل: الانتقاص من كرامة الإنسان؛ ويكون ذلك إمّا بالحديث عن مؤمنٍ آخر ورميه بارتكاب الفاحشة، أو بمجاهرة المرتكب نفسه بخطيئته وإعلانه عنها.
الثاني: تهديد درع الحياء الاجتماعي؛ فإنّ الحديث عن وقوع الفاحشة وإفشائها يساعد في إضعاف المناعة الأخلاقية في المجتمع، ويقلّل من استعظام النفوس للفواحش.
ولأجل هذين الأمرين، انتهج الإسلام سياسة الستر والتستر على الفواحش والذنوب، بل على كلّ ما يساهم في إضعاف القيم في المجتمع.
فقد ورد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلْأَوَّلِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ:
قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ اَلرَّجُلُ مِنْ إِخْوَانِي يَبْلُغُنِي عَنْهُ اَلشَّيْءُ اَلَّذِي أَكْرَهُهُ فَأَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَيُنْكِرُ ذَلِكَ وَ قَدْ أَخْبَرَنِي عَنْهُ قَوْمٌ ثِقَاتٌ.
فَقَالَ لِي:
*يَا مُحَمَّدُ كَذِّبْ سَمْعَكَ وَ بَصَرَكَ عَنْ أَخِيكَ*.
*فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَكَ خَمْسُونَ قَسَامَةً وَ قَالَ لَكَ قَوْلاً فَصَدِّقْهُ وَ كَذِّبْهُمْ*.
*لاَ تُذِيعَنَّ عَلَيْهِ شَيْئاً تَشِينُهُ بِهِ وَ تَهْدِمُ بِهِ مُرُوءَتَهُ فَتَكُونَ مِنَ اَلَّذِينَ قَالَ اَللَّهُ فِي كِتَابِهِ : «إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ* » .وسائل الشيعة ج١٢ص٢٩٥.
تأمَّل -أيها القارئ الكريم- في عظيم التزام أهل البيت (عليهم السلام) بمنهج الستر؛ فهم عِدل القرآن، وهم القرآن الناطق، والمجسّدون لآياته في أقوالهم وأفعالهم.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "لَوْ وَجَدْتُ مُؤْمِناً عَلَی فَاحِشَةٍ لَسَتَرْتُهُ بِثَوْبِي". مستدرك الوسائل ج١٢ص٤٢٤.
في هذا الموقف، يُبيّن إمامنا -الذي لا ينطق إلا بجوامع الحكمة والصدق واليقين- الأهمية البالغة للتستر على المؤمن الذي لا يتجاهر بالفسق، ولا يرتكب المعصية إصراراً.
قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ :
مَنْ تَابَ تَابَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأُمِرَتْ جَوَارِحُهُ أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْهِ وَبِقَاعُ اَلْأَرْضِ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيْهِ وَأُنْسِيَتِ اَلْحَفَظَةُ مَا كَانَتْ تَكْتُبُ عَلَيْهِ.البحارج٦ص٢٨.
وقال عليه السلام : " شَرُّ اَلنَّاسِ مَنْ لاَ يَغْفِرُ اَلزَّلَّةَ وَ لاَ يَسْتُرُ اَلْعَوْرَةَ".البحارج١٢ص٤٢٧.
وقال عليه السلام " إنَّ للنّاسِ عيوباً فلا تكشِف ما غابَ عنكَ ، فإنَّ اللهَ يحلمُ عليها ، واستُر العورةَ ما استطعت ، يسترُ اللهُ عليكَ ما تُحبّ سترَه ".
قال الإمام الصادق عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ :
*وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُطَّ وِزْرَهُ فَلْيُرْخِ سِتْرَهُ*.البحارج٧٥ص٢٤٦.
وعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ الصادق عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ بِمَ تُعْرَفُ عَدَالَةُ اَلرَّجُلِ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ حَتَّى تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.
فَقَالَ عليه السلام:
*أَنْ تَعْرِفُوهُ بِالسِّتْرِ وَاَلْعَفَافِ*.وسائل الشيعةج٢٧ص٣٩١.
وقال عليه السلام : "لو اطلع مؤمنٍ على ذنبٍ أو سيّئةٍ ، فأفشى ذلكَ عليهِ ولَم يكتُمها ولم يستغفرِ اللهَ له ، كانَ عندَ اللهِ كعاملِها ، وعليهِ وزرُ ذلكَ الذي أفشاهُ عليه ، وكانَ مغفوراً لعاملِها وعقابُه على من أفشاه في الدّنيا مستورٌ ذلكَ عليهِ في الآخرةِ.البحارج٧٢ص٢١٦.
للسترِ آثارٌ عظيمةٌ يمكن أن نستخلص منها ما يلي:
١- نيل ستر الله: فمن سَتَرَ غيره؛ سَتَرَهُ الله تعالى في الدنيا والآخرة .
٢- التحفيز على التوبة: إذ يفتح الستر باب الأمل للمخطئ ويُجنّبه اليأس.
٣- حفظ الخصوصيات: فبه تُحفظ الشؤون الخاصة للمؤمنين وتُصان.
٤- دليل المروءة: فالستر علامةٌ على قوة الساتر، وحكمته، وشهامته.
٥- حماية المجتمع: فهو يقي الأمة من إشاعة الفاحشة والفساد.
٦- إصلاح بين الناس: إذ يساعد الستر على تماسك المجتمع وإصلاحه.
٧- زرع الألفة والمحبة: لأن فضح العيوب يورث الضغينة، وسترها يورث المودة.
والحمد لله رب العالمين. اللهم اجعلنا من الساترين والمستورين، بحق نبينا الكريم وآله الميامين.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول النص فضيلة الستر بوصفها من مكارم الأخلاق التي تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه فرصة التوبة والإصلاح، بعيدًا عن التشهير وتتبع العثرات. ويستند إلى القرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام) في التحذير من التجسس والغيبة وإشاعة الفاحشة. ويبيّن أن ستر العيوب يصون الخصوصيات ويقوّي المروءة وينشر المودة، شرط ألّا يتحول إلى غطاءٍ لاستمرار الظلم أو الإضرار بحقوق الآخرين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!