يعرف الدكتور عبد الواحد الحميد التسليع الثقافي بأنَّه فرع من علم الاقتصاد، يُركّز بشكل أساسي على مجمل عمليات إنتاج وتوزيع واستهلاك المنتجات الثقافية من سلع وخدمات مختلفة. أمَا أصله فتُعزى هذه الظاهرة إلى العولمة والرأسمالية، مما ينتج عنه فصل العناصر الثقافية عن سياقاتها التقليدية ، وإعادة تغليفها لجذب المستهلكين ، وكان كلٌ من ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر قد صاغا مصطلح صناعة الثقافة وذلك في كتاباتهما في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي وبخاصة كتاب جدل التنوير، تحت عنوان (صناعة الثقافة: التنوير وخداع الجماهير)، فهما يريان أنَّ ثقافة الجماهير لا تعني أنَّ هذه الثقافة تنبع من الجماهير وإنما هي قد تم إنتاجها وتسويقها للجماهير بهدف تحقيق الأرباح على حساب الثقافة الحقيقية. وارتبط مفهوم تسليع الثقافة بمرحلة ما بعد الحداثة التي جاءت على أنقاض مرحلة الحداثة، وتتسم مرحلة ما بعد الحداثة بأنَّها ترفض الكثير من المفاهيم والمبادئ التي قامت عليها مرحلة الحداثة ، وما سبقها من المراحل، فمرحلة ما بعد الحداثة التي ولدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما نجم عنها من تداعيات كارثية مدمرة؛ رفضت ما يسمى بـالسرديات الكبرى، ومنها النظريات الشمولية، وعملت على إزالـة الحدود بين الثقافة الجماهيرية ،وثقافة النخبة ،ورفع الهالة التي تحيط بالفن التقليدي. فالمنتجات الثقافية لا يمكن شطبها من النشاط الإنتاجي لأي بلد وهي تدخل ضمن الناتج المحلي الإجمالي، وما من وسيلة لقياس قيمتها الاقتصادية سوى النقود ، ولا يمكن أنْ يقال إنَّها بلا قيمة اقتصادية.
وكثيراً ما يُستشهد بما حدث من تشويه للمعالم الطبيعية، والأماكن الأثرية ،والعادات والتقاليد والفلكلور في بعض الأماكن من العالم كدليل على جناية التسليع على الثقافة بعد أنْ تحوّلت تلك الأماكن إلى وجهات سياحية.
كما برزت في زمننا الحاضر ظاهرة ما يسمى بـكاتب الظل، أو الكاتب الشبح الذي يبيع خدماته لمن يدفع له المال، وفي زمن الذكاء الاصطناعي صار من الممكن أنْ تقوم الآلة بدور الكاتب الشبح ،وتقوم بأعمال إبداعية ومنتجات ثقافية تطرح في الأسواق فيتولد عنها دخل وقيمة اقتصادية مضافة!
إنَّ تحويل الثقافة إلى مُنتَج سِلَعي يباع ويشترى، يجعلها خاضعة لاستغلال الشركات التجارية وما تمارسه من تأثير دعائي على المستهلك من خلال الإعلان التشويقي المتكرِّر، فتتدخل في ذائقته وتحرّفها نحو منتجات ثقافية تحقق للشركات أقصى الأرباح لكنها تهبط بالمستوى الثقافي غير المادي للسلعة، وهو ما يمثل ابتذالاً للثقافة وتسطيحاً لها ؛فهذا الفكر ينحاز نظرياً للطبقات الفقيرة المحرومة، لكنَّه من الناحية العملية ينتهي إلى حرمانها من الوصول إلى منتجات ثقافية تتناسب وإمكانياتها المالية وذائقتها الفنية، وينحاز إلى ثقافة النخبة والطبقات المقتدرة. فإذا كانت أسعار اللوحات الفنية الأصلية باهظة ولا يستطيع اقتناءها إلا الأغنياء، فما الذي يمنع من نسخ اللوحات لكي يستمتع الفقراء باقتنائها وتزيين بيوتهم بها كما هو ملاحظ في أوساط الشرائح الشعبية بشكل خاص؟
وللتسويق الثقافي إيجابيات للبلد أيضاً فهو أداة لبناء روابط عميقة مع الجماهير، ويجمع بين الهوية الثقافية ،والعلامة التجارية مما يولّد تجربة تسويقية أصيلة وذات مغزى، وكذلك يتطلب فهمًا عميقًا لقيم المجتمع، وعاداته، وتاريخه ، ويتضمن عناصر ثقافية لتكوين روابط حقيقية بين العلامة التجارية وجمهورها. أمَّا العناصر الأساسية للتسويق الثقافي الفاعل فتتضمن الأصالة ،والملاءمة ،والشمولية ،والاحترام زيادة إلى القيمة والاتساق. في حين تضم إستراتيجيات تعزيز جهود التسويق الثقافي إنشاء محتوى بقصص مؤثرة والتداخل مع الموضوعات الثقافية. والاستثمار في الإعلانات المحلية، والاحتفال بالأحداث الإقليمية والثقافية، والاستفادة من المحتوى الذي ينشئه المستخدمون.. وما إلى ذلك.
ولهذا على الدولة إنشاء شعبة خاصة في وزارة التجارة تختص في الحفاظ على الماركة التجارية لتراث المجتمع
( ينظر : التسويق الثقافي.. عندما تلتقي العلامات التجارية بالهوية والموروث-رواد الأعمال ، وهل يمكن تسليع الثقافة؟هشام بن الشاوي: المغرب ،والتداولية والتسليع في الخزف العالمي المعاصر-حيدر عبد الحسين مجهول ،وفاروق نواف سرحان العيساوي ،و تسليع الثقافة.. الوجه الآخر - د. عبدالواحد الحميد).
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال تحوّل الثقافة إلى منتجات تخضع للإنتاج والتسويق والاستهلاك، وما يحمله ذلك من قيمة اقتصادية وفرص للتعريف بالهوية والتراث. وفي المقابل، يحذّر من هيمنة الشركات والإعلانات على الذائقة العامة، بما يؤدي إلى تسطيح الثقافة وتشويه عناصرها الأصيلة. ويؤكد أن المطلوب ليس عزل الثقافة عن السوق، بل تنظيم تسويقها وحماية الموروث من الاستغلال والابتذال، مع ضمان وصول منتجاته إلى مختلف فئات المجتمع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!