إِنَّهَا لَيْسَتْ حِكَايَةً أَوْ سَجْعًا مِنْ مَتَاهَاتِ الْخَيَالِ، بَلْ هُوَ الْخُشُوعُ الَّذِي يَجْذِبُكَ دُونَ إِرَادَةٍ وَتَنْقَادُ إِلَيْهِ بِلَا شُعُورٍ. إِنَّهَا أَحْمَالٌ تُرْمَى وَأَوْزَارٌ تُحَلُّ، وَفَلْسَفَةُ عَدْلٍ خُطَّتْ بِتَرْقِيعِ مِدْرَعَةٍ، وَخَصْفِ نَعْلٍ، وَخُشُونَةِ ثَوْبٍ. إِنَّهَا رَمْزُ آلَافِ الْجِرَاحِ، وَبُطُولَاتٍ سُطِّرَتْ فِي مَيَادِينَ الْقِتَالِ، وَتَهَجُّدِ دُعَاءٍ، وَخُشُوعٍ فِي مَحَارِيبِ الصَّلَاةِ.
هُنَاكَ، حَيْثُ العُگود الضَّيِّقَةُ، وَمِسَاحَةُ الْأَقْوَاسِ الْمُتَزَاحِمَةِ، وَالأَتْرِبَةُ النَّقِيَّةُ بِجِوَارِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، تَرْتَسِمُ حَكَايَا الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ. هُنَالِكَ كُلُّ شَيْءٍ يَحُوطُهُ الْهُدُوءُ وَتَحْتَضِنُهُ السَّكِينَةُ، كُلَّمَا تَسَارَعَتِ الْخُطَى نَحْوَ الشَّوَارِعِ الرَّئِيسِيَّةِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى ضَرِيحِ عَلِيٍّ؛ حَيْثُ طَرَفُ الْعَمَارَةِ وَالْبُرَاقُ وَالْمِشْرَاقُ تَلْتَقِي بِطَرَفِ الْحُوَيْشِ، لِتَزْدَادَ تُرَابًا نَقِيًّا كُلَّمَا اقْتَرَبْتَ مِنْ تُرَابِ أَبِي تُرَابٍ.
الْخُطَى هُنَالِكَ مُخْتَلِفَةٌ؛ فَتَقَعُ الْخُطَى عَلَى خُطَى نَبِيٍّ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مَلَكٍ أَوْ رَسُولٍ سَبَقَ أَنْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ كَيْ يَسْتَرِيحُوا بِجِوَارِ عَلِيٍّ قَبْلَ قُدُومِ عَلِيٍّ. هيَ لَيْسَتْ بُقْعَةً مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ يُشْبِهُهَا شَيْءٌ فِي الْكَوْنِ بِلَا حَدٍّ وَلَا نِدٍّ؟!
حِينَ تَنْزِلُ سَلَالِمَ سَرَادِيبِهَا كَأَنَّكَ تَزْدَادُ طُمَأْنِينَةً وَأَمَانًا إِذْ تَهْوِي اقْتِرَابًا مِنْ حِيَاضِ عَلِيٍّ. إِنَّهُ كِتَابٌ خَطَّتْ كَلِمَاتِهِ الْمَلَائِكَةُ، وَسَارَتْ عَلَى خُطَاهُ الْعُلَمَاءُ تَبْتَغِي أَنْ تَنَهَلَ وِرْدًا فِي رِيَاضِ حَيْدَرٍ.
مَهْمَا طَغَى الهَمُّ وَالأَحْزَانُ وَالأَسَفُ
جُدْ عِنْدَ الغَرِيِّ بِهَا.. تُنْسِيكَهَا النَّجَفُ
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول النص مدينة النجف الأشرف بوصفها فضاءً روحيًا يتجاوز حدود المكان، فهي موطن السكينة ومهوى قلوب المؤمنين، حيث تمتزج آثار العلم والعبادة والشجاعة في رحاب أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام). ويصور الكاتب الأزقة القديمة والطرق المؤدية إلى المرقد الطاهر باعتبارها شواهد على تاريخٍ عظيم وحضورٍ إيماني عميق. كما يؤكد أن زيارة النجف تمنح الإنسان طمأنينةً وسلامًا داخليًا، لتظل هذه المدينة منارةً للعلم والهداية ومهوىً للأرواح الباحثة عن السكينة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!