أعتبر علماء الاجتماع العراقيين والعرب والاجانب منهم واذكر منهم المستشرقيين ومن الذين اسبغوا البحث والتحليل في اغوار الشخصية العراقية كجزء من بحوث التراث الانساني العالمي، انه على مر العصور مهما اختلفت الثقافات او تباعدت منظومة القيم والمبادى والاهداف والغايات ابرز الكثير من هولاء الباحثين والمحللين الاجتماعيين والفلسفيين على انها (الشخصية العراقية) شخصية معقدة ومتعددة الاوجه ومن ملامحها الازدواجية في الموقف والتصرف والتفكير وحيث ان الفرد العراقي يجمع بين قيم متناقضة فيكون متدينا" وفي الوقت نفسه يمارس سلوكا" يخالف ما يؤمن به نتيجة الصراع بين القيم المثالية والواقع الاجتماعي، كما ان الصراع بين افكار البداوة والتحضر (على الرغم من اننا في القرن الحادي والعشرين وبما اصبح العالم عليه من قرية صغيرة نتيجة للتطور التكنولوجي وتبادل المعلومات السريع والكبير) اقول ما زال متجذر في الشخصية العراقية وظل مساحة تنافس بين قيم سلوك (العصبية والتعصب) وقيم (التسامح وقبول الفكر الاخر) مما اثر في سلوك جميع الافراد وادى الى سرعة الانفعال وقوة العاطفة وبالحقيقة نحن نتفاعل بقوة مع الاحداث السياسية والدينية والاجتماعية حتى لو كانت قبل عشرات القرون ويتحمس بسرعة للقضايا التي يؤمن بها. وايضا" الشخصية العراقية محبة للجدل والنقد فغالبا" ما يوصف العراقي بانه كثير النقاش يميل الى ابداء الرأي وانتقاد الاوضاع العامة، اضافة الى صفات عديدة اخرى منها صفة الكرم والشهامة التي تتميز بها الشخصية العراقية لانها من الصفات الاصلية المتجذرة في المجتمع لا سيما في المواقف الانسانية، ونقيضها صفة البخل الشديد في مواضع اخرى كانت نتيجة الظروف والمأسي التي مرت على الانسان العراقي في تاريخه القديم والحديث. تعتبر الميزة الاكبر في تناقض الشخصية العراقية (ومن فترات طويلة وحتى قبل تكوين الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي) تعاقب الدول والاحتلالات المتعاقبة والاضطرابات والتي اسهمت في تكون وبلورة شخصية متناقضة في كل شي حذرة احيانا" ومتمردة على واقعها في احيان اخرى.ان من المسلم به ان العراق الذي انجب اقدم الحضارات واغنى التجارب الانسانية، لا يمكن ان تختزل شخصيته في صورة واحدة، فهو وطن يحمل في ذاكرته المتناقضات ، لكنه يمتلك في اعماقه قدرة دائمة على النهوض.
وبالحقيقة اذا اردنا تكوين رؤية متوازنة عن الشخصية العراقية فمن الافضل ان نتناول ثاثير التحولات الاجتماعية والسياسية في تكوين تلك الشخصية وبالتأكيد فان الظروف التاريخية والحروب والاضطرابات وعدم الاستقرار تركت اثارا" عميقة في منظومة القيم عند المجتمع، ويرى الكثير من الباحثين في علم الاجتماع ان المجتمع العراقي لا يمكن اختزاله بصفة واحدة وان الشخصية العراقية تشكلت من تفاعل الدولة ، والقبيلة، والدين(المذهب بالتحديد)، والمدينة، والاقتصاد لذلك فهي شخصية مركبة ومتغيرة وليست ثابتة (اي كما بينت في بداية المقال متغيرة الطباع). وعلى العموم فان اي مجتمع سواء كان قديم او حديث في العالم يكون تأثير السلطة والدين والاقتصاد على تكوين شخصيته كبير. وبعد التغيرات الكبيرة التي شملت مفاهيم الدولة والمواطن على امتداد السنين وحدوث التغيرات التاريخية والجغرافية والاقتصادية والتطور التكنولوجي في وسائل التواصل وسرعة انتقال المعلومة على امتداد المعمورة في عصرنا الراهن ما زالت الشخصية العراقية متجذرة ما بين قمة النبل في بعض الاحيان وتنحدر الى قاع الانانية والنرجسية. وخير مثال على هذا الواقع ما يمكن ملاحظته في اصحاب السلطة المتنفذين وبطانتهم المحيطة بهم، في البلد فهم قد يكونوا في قمة الورع والتقوى لكنهم وفي نفس الوقت قمة في افعال الحرام من سرقة المال العام من رشى وهبات مالية غير مستحقة وسيطرة على مصادر الاموال الحكومية من دون وجه حق ( وهذا هو الوجه الثاني) (قمة الانانية).
هذا التناقض في التصرف من مواقف انسانية او خطابية عبر قاعة البرلمان او الفضائيات في مساء كل يوم او وسائل التواصل الاجتماعي وعن طريق ارسال اموال ومساعدات عينية او مادية يسبطة هنا او هناك يقابله سرقات كبرى وعلى امتداد الزمن من نشاءت الدولة العراقية المعاصرة وحتى عصر فوضى الاحزاب المتسلطة في وقتنا الراهن ما هو الا نتاج صيغة متأصلة في الطبيعة البشرية، لايمكن الانفلات منها وفك قيودها الا بواسطة قوانين رادعة تساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات ومن دون قيود او تسلط.
ان الطبيعة البشرية والشخصية للفرد العراقي وخصوصا" للذين في سدة الحكم او بطانتهم القريبون منهم ما هي الا المثال الحقيقي لتلك الشخصية المتناقضة فهم في تصورهم الاعمى ان هذه السرقات والاستيلاء على المال العام والتصرف بممتلكات الدولة في الامكان التكفير عنه وادخاله في خانة الشرعية الدينية والاجتماعية من خلال توزيع بعضه او جزء يسير منه على اشخاص معينيين او عن طريق اقامة ما يدعى موائد الرحمن (او مواكب طبخ وعزاء) في مناسباتنا الدينية المستمرة على مدار السنة، او من خلال الحج المتكرر في كل عام، وتلك والله تصرفات وافعال نهت عنها الكتب السماوية والاعراف التشريعية والوضعية، ومع الاسف انتقل هذا المفهوم برمته الى الفرد العراقي البسيط، واضحى الشعب في ورطة حقيقية لانها اصبحت الحالة السائدة في طبيعتنا البشرية (الا في حالات استثنائية وهي من طبيعة البشر بشكل العالم).
ان الشخصية العراقية ليست قدرا" ثابتا" بل هي مشروع انساني يتأثر بالظروف السياسية والاقتصادية والثقافية ، فالانسان الذي يصنع المواقف النبيلة في اوقات الشدة، قد تفرض عليه بيئة الفساد والخوف والتنافس غير المشروع ان يتراجع عن بعض قيمه ليس لان الخير قد فارقه وانما لان المؤسسات التي تحمي الفضيلة قد ضعفت فأختلطت المعايير وتشابكت المصالح حتى اصبح التمسك بالقيم ضربا" من المقاومة اليومية.
ان المجتمع العراقي وهو في القرن الحالي تغيرت الكثير من مفاهيمه واعرافه التي كان يتغنى بها سابقا" وحتى حالة التناقض التي عاشها على مدار الاجيال السابقة المتعاقبة اخذت تتسع وتكبر فجوتها ويضاف اليها علل وافكار اكثر تطرفا"، ولعل الخروج من هذه الازمة ليس رهنا" بمرور الزمن بل بقدرة المجتمع والدولة على اعادة بناء منظومة القيم والعدالة، فالامم لا يغيرها الزمن وحده وانما يغيرها الوعي والارادة والقيادة الرشيدة،والقوانين العادلة والتي لا تصنع المواطن الصالح فحسب بل تحمي صلاحه من الانكسار وتعيد للفضيلة مكانتها الطبيعية في المجتمع. واتمنى ان لا ننتظر اجيال واجيال عدة(حتى تحقيق ذلك الهدف) وعسى ان لا يكون ذلك التاريخ ببعيد
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال إشكالية الشخصية العراقية بوصفها شخصية مركبة تشكلت عبر تراكمات تاريخية واجتماعية وسياسية، ويعرض مظاهر التناقض بين القيم النبيلة والسلوكيات السلبية التي قد تفرضها الظروف والبيئة العامة. ويرى الكاتب أن الفساد وضعف سيادة القانون أسهما في تعميق هذا التناقض، مؤكدًا أن إصلاح الشخصية المجتمعية لا يتحقق إلا ببناء دولة المؤسسات وترسيخ العدالة وسيادة القانون. ويختتم بدعوة إلى استعادة منظومة القيم عبر الوعي والإرادة والقيادة الرشيدة، بعيدًا عن اختزال المجتمع بصفة واحدة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!