لا تبدأ مشكلة «المتمرجعين» من اختلاف فقهي عابر، ولا من سؤال مشروع يطرحه الإنسان بحثاً عن الحقيقة؛ فالاختلاف والنقاش موجودان في الحياة العلمية. إنما تبدأ المشكلة حين يتصدّى شخص لموقع ديني كبير من دون أن تتوافر فيه شروطه العلمية والأخلاقية، ثم يجمع حوله أتباعاً يتعاملون مع آرائه بوصفها حقائق لا تقبل النقاش.
ومن أبرز ما يلاحظ على بعض أتباع هذه الاتجاهات تنقّلهم بين الفتاوى والآراء. فهم لا يبحثون دائماً عن الرأي الأقوى دليلاً، بل عن الرأي الذي ينسجم مع رغباتهم أو يبرّر مواقفهم. وقد يأخذون اليوم بقول، ثم يتركونه غداً عندما لا يعود مناسباً لهم، من دون الالتزام بمنهج فقهي واضح.
ويرتبط بذلك ضعف الاهتمام بأصول البحث والاستدلال. فالمسائل الدينية، ولا سيما الأحكام الشرعية، لا تُبنى على مقطع قصير أو منشور متداول، بل تحتاج إلى معرفة بالقرآن والحديث واللغة والرجال والأصول وقواعد الاستنباط. لكن المعرفة السطحية قد تمنح صاحبها ثقة أكبر من معرفته الحقيقية، فيتصور أنه قادر على إصدار الأحكام وتقييم العلماء من خلال معلومات محدودة.
ومن الصفات التي يمكن إضافتها إلى ما ذُكر:
اقتطاع النصوص من سياقها: إذ يُؤخذ جزء من كلام عالم أو رواية، ويُترك ما قبله وما بعده، ليبدو النص مؤيداً لفكرة لم يكن يقصدها في الأصل.
تحويل الدليل إلى خصومة شخصية: فعندما يعجز بعضهم عن مناقشة الحجة، ينتقل إلى الطعن في نيات المخالف أو اتهامه بالتقليد الأعمى والجمود، بدلاً من تقديم جواب علمي واضح.
صناعة هالة حول الشخص: يصبح المتمرجع في نظر أتباعه فوق النقد، وتُفسَّر أخطاؤه على أنها حكمة خفية، بينما تُضخّم أخطاء الآخرين ويُبنى عليها موقف عام.
ادعاء المظلومية باستمرار: كل نقد علمي يُقدَّم إلى الشخصية المتصدية يُصوَّر على أنه مؤامرة أو خوف من مشروعها، وبذلك يجري الهروب من مناقشة أصل الاعتراض.
الخلط بين الشهرة والأعلمية: كثرة المتابعين والظهور في وسائل الإعلام لا تثبت الاجتهاد ولا الأعلمية؛ فالمكانة العلمية تُعرف بالبحث والشهادة العلمية وآثار صاحبها، لا بعدد المشاهدات.
رفض السؤال عن الدليل العلمي: قد يطالبون الآخرين بإثبات كل كلمة، لكنهم لا يطلبون من الشخصية التي يتبعونها بيان طريقها العلمي، أو أسماء أساتذتها، أو بحوثها التي تكشف قدرتها على الاستنباط.
الازدواجية في الحكم: ما يُعدّ خطأ كبيراً عند الخصوم يصبح أمراً قابلاً للتبرير عندما يصدر من الشخص الذي يؤيدونه.
الاندفاع وراء المحتوى المثير: تساعد وسائل التواصل على انتشار الخطاب الحاد والسريع، فيتحول الدين إلى عناوين مثيرة ومقاطع مجتزأة، بعيداً عن هدوء الدرس العلمي وأمانة البحث.
ربط الحق بالأشخاص: بدلاً من قياس الرجال بالحق، يصبح الشخص هو المقياس؛ فما يقوله يُقبل، وما يخالفه يُرفض، حتى لو ظهر الدليل بخلاف ذلك.
إن مواجهة دعاوى المرجعية لا تكون بالصراخ أو الشتائم، وإنما بتوعية الناس بمعنى الاجتهاد والأعلمية، وتعريفهم بدور أهل الخبرة، وتشجيعهم على أخذ الأحكام من مصادر معروفة وموثوقة. فالمرجعية ليست لقباً يمنحه الأتباع، ولا مكانة تصنعها مواقع التواصل، بل مسؤولية علمية وشرعية كبيرة لا يحملها إلا من استكمل شروطها وشهد له أهل العلم بذلك.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!