في كل أزمة اقتصادية، يظهر من يظن أن رفع صوته يغني عن رفع مستوى معرفته، وأن إثارة الرأي العام أسهل من شرح الحقائق للرأي العام. وما يثار اليوم من قبل أحد السياسيين بشأن انخفاض سعر خام البصرة مقارنة ببعض الخامات الخليجية ليس إلا نموذجاً جديداً لهذا النوع من الخطاب الذي يفضل الاستثمار في غضب الناس بدلاً من الاستثمار في وعيهم.
إن مقارنة سعر خام البصرة بنظيره السعودي او غيره دون الحديث عن اختلاف نوعية الخام، وآليات التسعير، وظروف السوق، وحجم المنافسة في آسيا، تشبه مقارنة سعر شاحنة بسعر سيارة رياضية ثم الادعاء بأن أحد المصنعين فاشل. إنها مقارنة مبتورة لا تصلح إلا للاستهلاك الإعلامي.
من يحمّل الإدارة العراقية وحدها مسؤولية انخفاض الفارق السعري يتجاهل عمداً أن سوق النفط لا تدار بالشعارات، بل بمعادلات العرض والطلب والمنافسة. ففي ظل التوترات الإقليمية، وتغير أنماط الشحن، وازدياد المنافسة على الأسواق الآسيوية، تلجأ الدول المصدرة إلى تعديل فروقات الأسعار للحفاظ على حصتها السوقية. وهذه ليست بدعة عراقية، وإنما ممارسة تجارية معروفة تلجأ إليها أكبر الدول المنتجة عندما تقتضي ظروف السوق ذلك.
أما تصوير الخصم السعري على أنه دليل قاطع على الفشل الإداري، فهو تبسيط مخل يخالف أبسط قواعد اقتصاد النفط. فلو كان ارتفاع السعر وحده معيار النجاح، لما عدلت أي دولة منتجة أسعارها الرسمية شهرياً، ولما شهدنا دولاً كبرى تخفض أسعارها لجذب المشترين والمحافظة على عقودها طويلة الأمد.
المؤسف أن بعض السياسيين يتعامل مع ملف النفط وكأنه منصة انتخابية لا قطاع اقتصادي معقد. يقتطع رقماً من سياقه، ويغفل عشرات المؤشرات الأخرى، ثم يخرج ليقدم نفسه بطلاً في مواجهة "الفساد"، بينما الحقيقة أنه يواجه الأرقام بالشعارات، والأسواق بالخطابات، والاقتصاد بالانفعالات.
النقد حق، بل واجب، لكن النقد المسؤول يبدأ بفهم آلية تسعير النفط قبل إطلاق الاتهامات. أما تحويل كل حركة في السوق العالمية إلى مادة للتحريض الداخلي، فهو لا يخدم العراق ولا يحمي موارده، بل يزرع الشك في مؤسساته ويقدم للجمهور تفسيراً مضللاً لواقع أكثر تعقيداً.
العراق بحاجة إلى رقابة جادة ومحاسبة حقيقية عندما يثبت التقصير، لكنه لا يحتاج إلى من يختزل سوق النفط العالمية في منشور على وسائل التواصل أو خطاب انتخابي. فإدارة قطاع يمثل شريان الاقتصاد الوطني لا تُقاس بمدى ملاءمة الرواية السياسية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تدفق الصادرات، وصيانة الحصة السوقية، وتعظيم الإيرادات ضمن ظروف السوق المتغيرة.
إن من يريد خدمة المواطن عليه أن يشرح له لماذا يحدث ما يحدث، لا أن يبيع له قصة سهلة التصديق وصعبة الإثبات. فالشعبوية قد تحصد التصفيق، لكنها لا ترفع سعر برميل واحد، ولا تضيف دولاراً واحداً إلى خزينة الدولة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال خطورة توظيف القضايا الاقتصادية في الخطاب الشعبوي، ولا سيما ما يتعلق بأسعار النفط، مؤكدًا أن تقييم أداء القطاع النفطي يجب أن يستند إلى فهم آليات التسعير وظروف السوق العالمية، لا إلى مقارنات مجتزأة أو شعارات إعلامية. ويرى الكاتب أن اختلاف أسعار الخامات النفطية يرتبط بعوامل فنية وتجارية معقدة، وأن الحفاظ على الحصة السوقية وتعظيم الإيرادات يتطلبان قرارات اقتصادية مدروسة بعيدًا عن المزايدات السياسية، داعيًا إلى نقد مهني يقوم على الحقائق لا على إثارة الرأي العام.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!