الدردشة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لا تصلح معياراً لقياس حجم وقيمة أي لغة في العالم؛ لأن غالبية هذه الدردشات لا تخضع لأي معايير أو مقاييس علمية؛ ولأن غالبية رواد هذه المواقع لا يحسنون كتابة حتى الإملاء؛ ناهيك بابتعادهم عن التزام قواعد اللغة، كما أنَّ لغات العالم جميعها أصابها التغيير، ذلك أنَّ فئات الشباب حول العالم ابتكرت أداة تواصل من رموز وأرقام خاصة بهم في معظم اللغات.
وبالتالي، فسوف تعجز جميع كومبيوترات العالم عن الترجمة والتفسير والربط بين اللهجات المختلفة للغة الواحدة، وهذا ليس مقصوراً على اللغة العربية، بل يشمل غالبية لغات العالم التي تواجه المصير ذاته هي ولهجاتها فيما لو حاولت الخوارزميات الربط بينها والترجمة، ولهذا؛ فإنَّ اللغة العربية واحدة من هذه اللغات العالمية، إلا إنَّ جوهرها لم يمسسه أي تحوير.
ما ظنَّه بعض الكتاب إشكاليةً للغة العربية مع لهجاتها على «فيسبوك»، هي في الواقع قراءة خاطئة وغير منصفة، فالإشكالية ليست في اللغة العربية ولا لهجاتها أو الجمع بينهما، بل تعود في الأصل إلى عجز واضعي قواعد بيانات قواميس الترجمة الإلكترونية وخوارزمياتها على شبكة الإنترنت، خصوصاً تلك التي تستخدمها مواقع التواصل، مثل «فيسبوك». فما ظنَّها البعض إشكاليةً لدى اللغة العربية ولهجاتها، موجودة في الفرنسية والإنجليزية والإيطالية ولهجاتها.
وقياس حجم وقيمة أي لغة ومدى ارتباطها أو تفككها عن لهجاتها، لا يكون عبر خربشات بأخطاء إملائية ونحوية على صفحات التواصل الاجتماعي، بل عبر دراسة نتاجها الأدبي من الشعر والقصة والرواية، ومدى طواعية استيعابها الجديد من العلوم عبر الترجمة والتحويل إلى اللغة الأم من خلال الاشتقاق، وهو الأمر المتوفر في اللغة العربية قبل غيرها من اللغات التي يفتقر بعضها حتى للمثنى والتفريق بين الذكر والأنثى لغوياً، ناهيك بلهجات محكية استخدمت أحرفاً مندثرة داخل المقابر في محاولة لمنافسة العربية، في حين تفتقر إلى أبسط قواعد النحو.
الدردشة عبر الإنترنت باللهجات المحكية لم تضر بالعربية وحدها، فحتى المحادثة باللغة الإنجليزية مثلاً مع شخص يعيش في أسكوتلندا، على سبيل المثال، تختلف تماماً عنها مع شخص جنوب أفريقي، على الرغم من أنها هي اللغة الإنجليزية نفسها، وقد يعود ذلك إلى تعدد اللهجات التي ابتعدت عن اللغة الأم، فاللهجة البريطانية أو اللكنة البريطانية مملوءة بالأحرف العامية وغير المنطوقة.
هناك أكثر من 100 لهجة في بريطانيا، وهذه اللهجات نفسها دخلتها تنويعات جديدة.
المملكة المتحدة على وجه العموم بها الإنجليزية الويلزية، والإنجليزية، والأسكوتلندية الإنجليزية، والإنجليزية الإستوارية، والمانكيونية، واليوروكشورية، والألسترية... وبين كل هذه هناك لهجاتٌ متعددة، وعلى رأسها لهجة «كوكني» اللندنية، ولكنك تدخل لندن الآن فلا تسمع إلا رطانة من كل اللهجات ولا تسمع هذه اللهجة إلا قليلاً. في نيوكاسل وما حولها هناك لهجة «جوردي» الصعبة، ومثلها اللهجة الأسكوتلندية الأصعب، ولا غرابة في ذلك، فهما متجاورتان جغرافياً. وكذلك لهجة «سكاوس» الليفربولية، ولهجة «برومي (من برمنغهام)»... وهناك لهجات أخرى لا يتسع المجال لذكرها. ورغم هذا؛ فإن لغة «بي بي سي» أو ما تسمى «بوش إنجليش» تبقى هي المعيار. مثلما عندنا من تعدد اللهجات، لكن تبقى العربية الفصحى هي المعتمدة؛ لأنَّها هي الجامعة.
فاللغة ليست مجرد كلمات، بل تحمل خلفية ثقافية تعكس طريقة التفكير والتواصل، ولهذا؛ فاختلاف تجربة الدردشة بين شخص من أسكوتلندا وآخر من جنوب أفريقيا، وكذلك بين هندي وعربي مشرقي أو مغربي رغم أن اللغة المشتركة هي الإنجليزية، يعود إلى تنوع اللهجات واللكنات، فاللغة الإنجليزية ليست موحدة في نطقها أو مفرداتها، بل تتأثر بالثقافة المحلية، والتاريخ، وحتى باللغات الأخرى التي اختلطت بها.
نشر موقع قناة «بي بي سي» تقريراً صحافياً استقصائياً حمل عنوان: «الناطقون بالإنجليزية (كلغة) أُمّ أسوأ من يتواصل مع الآخرين في العالم»؛ مما يدحض ادعاء أن الأزمة اللغوية مقصورة على «العربية»، بل العكس تماماً، فتماسك اللغة العربية وقربها من لهجاتها كان واضحاً طيلة قرون حتى زمن الاستعمار والاستلاب الثقافي، بل وأظهرت تماسكاً لغوياً مبيناً.
ولعل المفكر العربي إدوارد سعيد لم يخطئ عندما قال: «تسكن اللغة قلب هوية الشعوب ومقاومتها المشاريع الكولونيالية، غير أنَّ العربي يتميز بخصوصية بين اللغة الكلاسيكية ولهجات محلية؛ أحياناً غير مفهومة من قبل بعضها البعض، فهل بوسعنا أن نصنع من هذه الثنائية غنى وقوة؟»، سؤال مهم يطرحه المفكر العربي الراحل، الذي كان عروبياً في غربته ولم يفقد هويته كما فقدها غيره بتأثير «عقدة الخواجة».
✦ كتابات في الميزان ✦
يرفض الكاتب ربط قوة اللغة العربية بما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الأخطاء الإملائية واللهجات الدارجة ظاهرة عالمية لا تقتصر على العربية، بل تشمل معظم اللغات الحية. ويبين أن معيار قوة اللغة يكمن في إنتاجها الأدبي والعلمي وقدرتها على استيعاب المعارف الجديدة، لا في أساليب الدردشة اليومية. كما يعرض نماذج من تنوع اللهجات الإنجليزية ليؤكد أن وجود اللهجات لا يهدد اللغة الأم، ما دامت الفصحى أو اللغة المعيارية تحتفظ بمكانتها. ويخلص المقال إلى أن العربية ما تزال لغة متماسكة وغنية، وأن الحفاظ عليها يكون بالعلم والثقافة والاعتزاز بالهوية، لا بالقلق من خربشات مواقع التواصل.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!