كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

من 2005 إلى اليوم.. كيف التهم الفساد فرص التنمية في العراق؟

تتزامن حملة الاعتقالات التي طالت مسؤولين متهمين بقضايا فساد في العراق مع تصاعد التساؤلات بشأن الكلفة الاقتصادية الحقيقية للفساد، الذي تراكم على مدى أكثر من عقدين، وألقى بظلاله على مسار التنمية والخدمات العامة في بلد يُعد من أكبر المنتجين للنفط في العالم.

وأعلنت الحكومة العراقية أن حملتها الأخيرة أسفرت حتى الآن عن اعتقال 21 مسؤولًا متهمًا بالتورط في قضايا فساد مالي وإداري، فيما لا يزال عدد آخر من المطلوبين متواريًا عن الأنظار، مع استمرار عمليات الملاحقة الأمنية والقضائية.

وأكد رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال جلسة لمجلس الوزراء، أن الحكومة ماضية في مكافحة الفساد واسترداد المال العام، مشددًا على وجود "حراس أقوياء" لحماية الأموال العامة، في إشارة إلى الأجهزة الرقابية والقضائية.

خسائر تتجاوز تريليون دولار

قدّر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني الكلفة الاقتصادية للفساد المالي والسياسي في العراق بأكثر من تريليون دولار، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الأموال المنهوبة اندمج في اقتصادات خارجية.

وأوضح أن دراسات سابقة قدرت الأموال المهربة بنحو 600 مليار دولار، مقابل تقديرات حكومية بلغت 350 مليار دولار، فيما قدرها الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح بحوالي 150 مليار دولار.

وأضاف أن حجم الفساد تضاعف بصورة كبيرة بعد عام 2018، حيث ارتفعت كلفة الحصول على بعض المناصب الوزارية من نحو 5 ملايين دولار إلى ما بين 50 و100 مليون دولار، الأمر الذي يعكس تضخم حجم الأموال المنهوبة.

وأشار إلى أن آثار الفساد لم تقتصر على استنزاف المال العام، بل عطلت مشاريع التنمية، إذ لا يزال العراق يعاني نقصًا يقدر بنحو 9 آلاف مدرسة، بينما لم يشهد القطاع الصحي سوى إنشاء مستشفى أو مستشفيين جديدين منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وأكد أن الأموال المضبوطة في القضايا الأخيرة، والتي تتراوح بين مليار وملياري دولار، تكفي لإنشاء 10 مصانع استراتيجية توفر ما بين 5 آلاف و10 آلاف فرصة عمل.

آثار تتجاوز المال المنهوب

من جانبه، أكد الخبير المالي والمصرفي مصطفى أكرم حنتوش أن كلفة الفساد لا تقاس بالأموال المنهوبة فقط، بل تشمل تراجع الخدمات العامة، وإضعاف مؤسسات الدولة، وحرمان الأجيال الجديدة من فرص العمل.

وأوضح أن آثار الفساد تتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:

استنزاف المال العام.
إهدار فرص التنمية.
تهديد مستقبل الأجيال.

وأشار إلى أن نجاح حملة مكافحة الفساد يتطلب الاستمرارية، لأن الفساد يقوم على منظومات متكاملة، وليس على أفراد فقط، داعيًا إلى تحويل مكافحته إلى نهج مؤسسي دائم.

إجراءات لاسترداد الأموال

وفي إطار جهود استرداد المال العام، وجهت الحكومة وزارة المالية بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من قضايا الكسب غير المشروع.

كما أعلنت دائرة الاسترداد في هيئة النزاهة أنها تمكنت من حجز كميات كبيرة من الأموال خارج العراق، ومنع المتورطين من التصرف بها، بالتنسيق مع وزارة العدل لإقامة دعاوى مدنية تهدف إلى استعادتها.

إصلاحات تتجاوز الاعتقالات

ويرى الصحفي مصطفى جليل أن استرداد الأموال يمثل جزءًا من الحل، مؤكدًا أن الحد من الفساد يتطلب إصلاحات تشريعية ورقابية ومؤسسية تغلق منافذ الهدر وتمنع تكرارها، مشيرًا إلى أن الأموال التي جرى نهبها كانت كفيلة ببناء دولة مزدهرة ببنيتها التحتية.

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية كبيرة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، وتأخر إقرار الموازنة العامة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار الحاجة إلى استثمارات واسعة في قطاعات التعليم والصحة والبنى التحتية.

ومع استمرار التحقيقات واتساع دائرة الملاحقات، تبقى الأنظار متجهة إلى نتائج الإجراءات القضائية، وما إذا كانت الحملة الحالية ستنجح في استعادة جزء مهم من الأموال العامة وإرساء مسار إصلاحي مستدام، أم ستواجه المصير ذاته الذي انتهت إليه حملات سابقة دون تغيير جذري في واقع الفساد.

الفساد.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!