كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لماذا لم تصل رسالة الإمام الحسين عليه السلام إلى الثقافات العالميّة؟

يذهب بعض المثقّفين المعاصرين إلى أنّ سبب عدم وصول رسالة الإمام الحسين عليه السلام إلى الثقافات العالميّة هو أنّ المجتمع الشيعي ومؤسّساته الدينية قد حبسوا القضية في إطار البكاء والحداد والطقوس، ولم يقدّموها بوصفها ثورة إنسانية كبرى ضدّ الظلم والفساد، حتى غلبت ـ في نظرهم ـ صورة العَبرة على العِبرة، والشعيرة على الرسالة.
وهذا الكلام، وإن تضمّن تنبيهًا صحيحًا إلى ضرورة إبراز البعد الإصلاحي والإنساني في نهضة الإمام الحسين عليه السلام، إلا أنّه يقوم على قياس غير تامّ، وعلى قراءة مجتزأة لطبيعة القضية الحسينية وموانع انتشارها في الثقافات العالميّة.
فالمقارنة بين حضور الإمام الحسين عليه السلام وحضور شخصيات كغاندي أو مانديلا أو تشي غيفارا ليست مقارنة دقيقة؛ لأنّ هذه الشخصيات قُدّمت غالبًا في إطار سياسي أو اجتماعي عام، يمكن عزله نسبيًّا عن أصوله العقدية والدينية، بل إنّ شهرة بعض هذه الرموز لم تكن دائمًا بسبب عمق مضمونها كما هو، وإنما لأنّ القوى الغالبة استطاعت أن تعيد إنتاج صورتها بما يلائم خطابها الإعلامي والثقافي.
فقد يُروَّج لبعض الرموز بعد أن تُفرَّغ مواقفهم من مضمونها الحادّ، وتُحفظ أسماؤهم بوصفها عناوين براقة للحرية والسلام والمقاومة، بينما تُترك المضامين التي كانت تزعج أنظمة الهيمنة أو تكشف تناقضاتها. ومن هنا لا ينبغي أن نغترّ بمجرد شيوع الاسم في الإعلام العالمي، أو بكثرة الأفلام والكتب والاحتفاء الرسمي والشعبي؛ فإنّ ذلك قد يكون علامة قبول حقيقي، وقد يكون علامة استيعاب للرمز بعد تهذيبه وتطويعه، وتحويله إلى قشرة ملهمة لا تغيّر واقعًا، ولا تهدّد بنية ظلم قائمة.
وكثيرًا ما تصنع الآلة الإعلامية الحديثة من بعض الأسماء أمثلة جاهزة للثائرين، ولكنها أمثلة منزوع عنها سلاحها، لا تقود إلى مشروع، ولا تنتهي إلى التزام. وأمّا الإمام الحسين عليه السلام، فإنّ قضيته لا تقبل هذا التفريغ بسهولة؛ لأنّها متصلة بجذر ديني وعقدي عميق، وبموقف لا ينفصل عن النبوّة والإمامة والشريعة، ولا يرضى بمجرد شعار عام عن الحرية مع السكوت عن الحق الذي قُتل الحسين عليه السلام من أجله.
فالإمام الحسين عليه السلام ليس مجرّد ثائر اجتماعي تمرّد على فساد سلطة سياسية، بل هو سبط النبي صلى الله عليه وآله، ووارث خطّه، وحامل أمانة الدين، والناطق بمبدأ الإمامة والوصاية، والواقف في وجه انحراف السلطة عن موقعها الشرعي. ومن هنا فإنّ قضيته لا تنتمي فقط إلى عنوان مقاومة الطغيان، بل تنتمي إلى إطار أعمق هو: لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلي وليّ الله ووصيّ رسوله، والحسن والحسين عليهما السلام إمامان هاديان من أوصيائه.
وهذا هو الإطار الذي يصعب على كثير من الثقافات العالميّة أن تتفاعل معه كما ينبغي. فمن جهة، توجد مجتمعات مائلة إلى الإلحاد أو اللادينية أو الأديان الشرقية، كالهندوسية والبوذية وبعض الديانات الصينية التقليدية كالكونفوشيوسية والطاوية، وهي قد لا تتفاعل ابتداءً مع قضية قائمة على الوحي والنبوّة والشريعة. ومن جهة أخرى، توجد مجتمعات مسيحية أو يهودية تنظر إلى الإسلام نفسه من خارج الإيمان بنبوّة محمد صلى الله عليه وآله. ثم إنّ داخل الفضاء الإسلامي نفسه من لا يرضى بالإطار الإمامي الذي تنتمي إليه قضية الحسين عليه السلام؛ لأنّ الاعتراف العميق بها يستلزم مراجعة الموقف من الحكّام الذين واجهوا خطّ الوصاية والإمامة.
ومن هنا يظهر أنّ عدم وصول رسالة الإمام الحسين عليه السلام عالميًّا ليس سببه الأوّل بكاء الشيعة ولا شعائرهم، بل لأنّ العالم ـ في كثير من دوائره ـ لا يريد أن يقبل بالإطار الديني والعقدي الذي تنتمي إليه هذه القضية. فمن قبل ذلك الإطار عرف موقع الحسين عليه السلام، ومن أعرض عنه لم ينتفع من قضيته إلا بمقدار ما يقتطع منها عنوانًا عامًّا كالحرية أو رفض الظلم، مع بقاء جوهرها الأصيل خارج دائرة القبول.
إنّ بعض الناس قد يريد من الحسين عليه السلام صورة تصلح للاستهلاك الثقافي العام: رجلًا شجاعًا، أو مصلحًا اجتماعيًّا، أو ثائرًا على الظلم، وهذه كلها عناوين صادقة في نفسها، ولكنها لا تمثّل الحقيقة الكاملة. فالحسين عليه السلام لم يخرج من أجل عدالة بشرية مجردة عن الدين، ولا من أجل حرية منفصلة عن عبودية الله، ولا من أجل إصلاح سياسي معزول عن شريعة النبي صلى الله عليه وآله، بل خرج ليقيم الحجّة على انحراف الأمة عن خطّ الرسالة، وليحفظ للدين روحه ومعياره وامتداده الشرعي.
ولذلك قد يسهل على العالم أن يروّج لرمز بعد أن يجعله صورة ناعمة قابلة للاستهلاك الثقافي، ولكنه لا يسهل عليه أن يروّج للحسين عليه السلام كما هو: إمام حق، وشاهد على انحراف السلطة، وحجة على المسلمين والناس في موقفهم من الوحي والوصاية والعدل الإلهي.
وهناك عامل تاريخي آخر لا يجوز إغفاله، وهو أنّ المجتمع الشيعي ومؤسّساته الدينية لم يعيشوا في فراغ حرّ مفتوح، بل عاشوا قرونًا طويلة تحت القمع والاضطهاد، ومورست ضدهم سياسات التهميش والقتل والتشويه، حتى بلغ الأمر في عصور كثيرة إلى أن يُقتل الإنسان على هويته ومعتقده. فكيف يُحمَّل هذا المجتمع وحده مسؤولية عدم إيصال القضية الحسينية إلى العالم، وهو في كثير من مراحله كان ممنوعًا من الجهر بمظلوميته، فضلًا عن أن يملك أدوات التعريف العالمي والإعلام المؤثّر؟
إنّ من يبغض هذا المجتمع بسبب مبادئه، ويضيق بحضوره الديني، ويخاف من ذاكرته التاريخية، لا يُنتظر منه أن يفتح له المنابر ليصدح بقضية الحسين عليه السلام كما هي، بل سيعمل غالبًا على محاصرتها، أو تشويهها، أو اختزالها في صور منفّرة. وهذا أمر محسوس مشهود، لا يحتاج إلى كثير بيان؛ فإنّ من لم يرضَ للشيعي أن يعيش آمنًا في هويته، كيف يُنتظر منه أن يرضى له بتعريف العالم بالحسين عليه السلام ومظلوميته؟
ومع ذلك، فإنّ أتباع أهل البيت عليهم السلام لم يقصّروا في حدود ما فُسح لهم من مجال، بل استثمروا كل شبر أُتيح لهم، فبادروا إلى عقد المؤتمرات ذات الصبغة العالمية، ونشر الكتب، وترجمة المعارف، وإقامة الشعائر، حتى امتدّ حضورها إلى بلاد بعيدة وثقافات مختلفة. فإذا بقي تفاعل العالم مع هذه الجهود متواضعًا، فليس من الإنصاف أن تُحمَّل المسؤولية لدموع المؤمنين وشعائرهم، بل ينبغي أن يُنظر أيضًا إلى حال المتلقّي نفسه.
فإنّ الإنسان مفطور على فضول معرفيّ يدفعه إلى السؤال: من هذا؟ ولماذا يبكي هؤلاء عليه؟ وكيف بقي ذكره حيًّا بعد هذه القرون؟ وهذه الأسئلة هي الشرارة الأولى للمعرفة. فإذا ماتت هذه الشرارة في بعض النفوس، أو خبا نور الفطرة تحت ركام الشبهات، أو منعتها العصبيات والموروثات والهيمنة الإعلامية من الإنصاف، فليس ذنب ذلك على الشعائر الحسينية، ولا على المؤمنين الذين حفظوا القضية بما استطاعوا، وأدّوا وظيفتهم الحضارية تجاه البشرية بما أُتيح لهم من وسائل وفرص. وإنما الذنب على من رأى العلامة فلم يسأل، وسمع النداء فلم يلتفت، ومرّ بالحسين عليه السلام فلم يفتح قلبه لمعرفة سرّ خلوده.
وأمّا البكاء على الإمام الحسين عليه السلام فليس ممارسة عاطفية فارغة، ولا بديلًا عن الوعي والعمل، بل هو أمر تلقّاه المؤمنون من أئمتهم عليهم السلام لحفظ الواقعة من الاندراس، ولغرس مبادئها في وجدان الأمة. فإنّ الوقائع التاريخية الكبرى قد تضيع حين تتحوّل إلى معلومات باردة في الكتب، أمّا إذا امتزجت بالدمعة الصادقة، والشجو النبيل، والتعليم المتكرر، فإنّها تستقر في الوجدان، وتدخل في الهوية، وتتحول إلى رادع داخلي عن الشر، ودافع إلى الخير.
فالبكاء هنا ليس صرخة عجز، بل ذاكرة حيّة. وليس إلغاءً للعبرة، بل طريق من طرق تثبيتها. وليس انفصالًا عن الرسالة، بل وسيلة وجدانية لحفظها. نعم، قد تقع بعض الممارسات الخاطئة، وقد يتكسّب بعض الناس باسم القضية، وقد تتحول بعض الصور إلى عادات فاقدة للروح، ولكن علاج ذلك لا يكون باتهام أصل الشعائر، بل بترشيدها، وتعميق وعيها، وربطها الدائم بمقاصد الحسين عليه السلام.
ومن حقّنا هنا أن نسأل: هل نستطيع أن نتنبأ بأنّ الأسماء التي يروَّج لها اليوم ستبقى حيّة في وجدان أتباعها بعد ألف سنة أو ألف وخمسمائة سنة، كما بقي اسم الحسين عليه السلام حيًّا بدموع محبّيه، وزياراتهم، ومجالسهم، وشعائرهم، وتوارث أجيالهم لمظلوميته؟ الله العالم بما يكون، ولكن التجربة التاريخية تكشف أنّ ما حُفظ بالحزن الصادق، والولاء العميق، والارتباط الديني، أقدر على البقاء من أسماء تصنعها موجة إعلامية ثم تنحسر عنها موجة أخرى.
فإذا كان بعضهم يعدّ دموع الشيعة سببًا في حبس قضية الحسين عليه السلام، فإنّ التاريخ يشهد بأنّ هذه الدموع نفسها كانت من أعظم أسباب بقائها. لقد حفظت الاسم حين أراد الطغاة محوه، وحفظت الموقف حين حاولت السلطات تشويهه، وحفظت الوجدان الحسيني حين عجزت الكتب وحدها عن صيانته في نفوس الجماهير.
ذلك أنّ الطاغية، مهما قمع محبّي الإمام الحسين عليه السلام، ومنعهم من مظاهر الحزن عليه، وضيق عليهم في شعائرهم، لا يملك أن ينفذ إلى أعماقهم، ولا يقدر أن يمحو أشجانهم وعواطفهم وولاءهم. فهو قد يمنع الراية أن تُرفع، والمجلس أن يُقام، والصوت أن يُعلن، ولكنه لا يستطيع أن يطفئ حرارة الحسين عليه السلام في القلوب، ولا أن ينتزع من الوجدان سرّ البكاء عليه. وهذا واحد من أسرار خلود ذكره عليه السلام، بصناعة إلهية من خبير عليم.
وكذلك لا يصحّ الاعتراض على قول المؤمنين في زيارة الإمام الحسين عليه السلام: «يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا»، بدعوى أنّها صيغة ماضوية تهرّب الإنسان من مسؤوليته الحاضرة؛ فإنّ هذه العبارة مأخوذة من أدب الزيارة وتعليم الأئمة عليهم السلام، وليست مجرّد إنشاء عاطفي. ثم إنّها لا تقف عند الماضي، بل تقترن بمعنى الحضور والنصرة المستمرة، كما في مضمون قول الزائر: إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري.
فالمؤمن حين يقول: «يا ليتنا كنّا معكم» لا يهرب إلى التاريخ، بل يعلن موقفه من ذلك التاريخ، ويحدّد جبهته في الحاضر؛ لأنّ من صدق في الانتماء إلى الحسين عليه السلام لزمه أن يكون مع خطّه في كل زمان، وأن يرفض الظلم، ويطلب الإصلاح، وينصر الحق بحسب قدرته وموقعه.
والخلاصة: إنّ المطلوب ليس أن نختار بين الدمعة والرسالة، ولا بين الشعيرة والنهضة، ولا بين العاطفة والوعي؛ فهذه ثنائيات مصطنعة. المطلوب أن نبقي الحسين عليه السلام كما هو: إمامًا ربانيًّا، وسبطًا نبويًّا، ووصيًّا في خطّ الإمامة، ومصلحًا عظيمًا، وشهيدًا للحق، وأن نقدّم قضيته للعالم من داخل حقيقتها، لا بعد سلخها عن دينها وشريعتها وإمامتها.
فمن أراد أن يجعل الحسين عليه السلام رمزًا إنسانيًّا عامًّا فلا بأس أن يبدأ من هذا الباب، ولكن لا يحقّ له أن يجرّده من أصله. فإنّ عالمية الحسين عليه السلام لا تعني فصله عن الإسلام، بل تعني أنّ الإسلام الذي حمله الحسين عليه السلام هو الرسالة التي يحتاجها العالم، وإن أعرض عنها كثير من الناس.
 وفي الختام، فإنّنا ندعو هؤلاء المثقّفين إلى أن يصرفوا نظرهم عن لوم دموع البسطاء والعظماء في محراب الحسين عليه السلام، وأن يتوجّهوا هم أنفسهم إلى أداء الدور الذي يدعون إليه، بما يحملونه من عناوين علمية وأكاديمية، وبما يملكونه من أدوات خطاب وكتابة وتأثير.
فإن كانوا يرون أنّ رسالة الإمام الحسين عليه السلام لم تصل إلى العالم كما ينبغي، فليكن جوابهم العملي هو أن يعرّفوا العالم بها، لا أن يجعلوا الشعائر والدموع موضع الاتهام. وإن كانوا يحسبون أنفسهم من المجتمع الشيعي ومؤسّساته الثقافية والدينية، فهم داخلون في هذه المسؤولية لا خارجون عنها، ومطالبون بالفعل لا بالاكتفاء بالتأسّف والعتاب.
إنّ نقد الذات إن كان واقعيًّا ومنصفًا فهو باب للإصلاح، وأمّا إذا تحوّل إلى تحميل المؤمنين وشعائرهم مسؤولية ما صنعته قرون القمع والتشويه والإقصاء، فهو نقد قاصر لا يبني وعيًا ولا يفتح طريقًا. فليتحوّل القول إلى عمل، والتنظير إلى تبليغ، والاعتراض إلى مشروع؛ فإنّ النفع ليس في التأسّف، وإنما النفع في العمل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!