كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

دماء شريفة فوق رمال ساخنة (من وحي ذكرى استشهاد الامام الحسبن عليه السلام)

في كل زمان وعصر وامة هنالك رمز ومضحي شهيد تسيل دمائه وتنتهي حياته الدنيوية لهدف ما، ولتحيا الفكرة التي ضحى بالغالي والنفيس من اجلها، ومن اشهر المضحين السيد المسيح عليه السلام وبعد ان (شبه لهم) واختار له رب العالمين المسار المرسوم وقاموا بتعذيبه والتنكيل به لؤد فكرة السلام الروحي وتحقيق المساواة والعدالة في المجتمع اليهودي الذي كان مرتهنا" بالفكر البيزنطي الوثني، جاء وبتوجيه من الرب لاحياء فكرة العدالة والكرامة الانسانية والتي سرعان ما انتشرت في ارجاء المعمورة بعد ان صعد الى السماء العليا عند ربه الاعلى ولولا فكرة صلبه والاحداث التي ارتبطت معها انذاك لما انتشرت افكار المسيح مثل النار بالهشيم بين اقوام ذلك العصر.
ولا انسى وانا اقلب في كتب تاريخ الشعوب والامم، ان شخصيات كثيرة تعد في نظر اتباعها وشعوبها شهداء لانهم ضحوا بسبب نضالهم ضد الظلم والاستبداد ومن دون تلك التضحية لما خلدت اسمائهم في كتب تاريخ الشعوب، ومن هولاء (سبارتاكوس) والذي قاد ثورة العبيد ضد الجمهورية الرومانية في القرن الاول قبل الميلاد وقتل بعد هزيمة الثورة، والى الثائر المكسيكي (ايمليانو زاباتا) والذي قاد الثورة المكسيكية عام 1919 والتي ناضل بها من اجل حقوق الفلاحين وهو صاحب شعار (الارض لمن يزرعها) وقد قتل وهو يقود الثورة لاجل ملايين الفلاحين المكسيكين في العام نفسه وبعد قتله انتصرت ثورته الفلاحية. وايضا" لا انسى الثائر الكونغولي (باتريس لومومبا) والذي اصبح رمزا" للتحرر الافريقي من الاستعمار بعد اغتياله عام 1961 ونتيجة هذا الاغتيال ولعوامل دولية اخرى نالت العديد من الدول والشعوب الافريقية استقلالها (اي لولا ضريبة دم لومومبا لما تحققت فكرة الاستقلال اصلا"). ولو تعمقنا في التأريخ الامريكي الحديث نسبيا" كان التمييز العنصري في امريكا ولغاية ستينات القرن الماضي في ذروته ولولا مقتل صاحب الحلم الامريكي (مارتن لوثر كينغ) والذي قاد النضال السلمي ضد التمييز العنصري واغتالته المخابرات الامريكية عام 1968 والامريكي الاخر (مالكوم اكس) المسلم الذي دافع عن حقوق الامريكيين السود واغتيل عام 1965 حيث بعد مقتلهما في ظروف معروفة وقتها صحى المجتمع الامريكي على ظاهرة التمييز العنصري وبدا بمعالجتها بصورة واخرى.وان انتقلنا الى امريكا اللاتينية نستذكر الشخصية التشيلية (سالفادور اليندي) والذي اصبح رمزا" لمقاومة الانقلاب العسكري المدعوم امريكيا" في بلده عام 1973 وايضا" نستذكر الثائر الماركيسي (تشي جيفارا) والذي شارك في الثورة الكوبية وقتل في بوليفيا عام 1967 واصبح رمزا" عالميا" للثورة، واخيرا" نستحضر الثائر الهندي (مهاتما غاندي) قاد حركة المقاومة السلمية ضد الاستعمار البريطاني واغتيل عام 1948 لعدم ايمان قاتليه بفكرة التعايش السلمي بين المسلمين والهندوس في البلد بعد نيل الاستقلال من الاستعمار.
كل هولاء الذين ذكرتهم فيما سبق اصبحوا رموز يشارلها بقيمتها المعنوية والوجودية في قومياتهم وشعوبهم وافكارهم والتأريخ الماضي وكذلك المستقبل، وعلى امتداد التأريخ الانساني برز هولاء الرجال وحملوا ارواحهم على اكفهم دفاعا" عن الحرية والعدالة وكرامة الانسان وجميعهم قدموا تضحيات عظيمة واصبحوا رموزا" خالدة في ذاكرة شعوبهم. غير ان الثورة الاعظم والشهيد الاعظم هي ثورة سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام والتي تعد نموذجا" فريدا" يتجاوز حدود الثورات البشرية المعتادة، اذ لم تكن ثورته طلبا" للسلطة او سعيا" لمكسب دنيوي او دفاعا" عن فئة اجتماعية بعينها، بل كانت نهضة شاملة لانقاذ الحق والعدل الالهي والكرامة الانسانية من الانحراف والاندثار، لقد وقف الحسين عليه السلام في مواجهة سلطة امتلكت المال والسلاح والجند (ووسائل الاعلام المتعارف عليها في تلك الفترة) ولكنه عليه السلام امتلك ما هو اكبر واعظم من ذلك كله امتلك المبدأ.
واذا كانت الثورات الاخرى سعت الى تحرير الارض او الانسان او المجتمع من ظلم معين، فان ثورة الحسين سعت الى تحرير ضمير الانسان ذاته من الخضوع للباطل والى ترسيخ قاعدة اخلاقية خالدة مفادها ان الحياة بلا كرامة ليست حياة، وان السكوت على الظالم مشاركة في الظلم نفسه. لهذا لم تكن كربلاء حادثة تاريخية عابرة بل اصبحت مدرسة انسانية عالمية تستلهم منها الشعوب معاني الصمود والتضحية والاباء.
لقد قدم اولئك الثوار دمائهم من اجل قضايا عظيمة تستحق الاحترام والتقدير، لكن الامام الحسين ابن علي عليه السلام قدم نفسه واهل بيته واصحابه قربانا" لله عز وجل في ملحمة لم يكن هدفها انتصارا" عسكريا" او مكسبا" سياسيا" بل انتصار القيم على السيوف ، والحق على القوة والضمير على الخوف، ومن هنا بقت ذكراه حية بعد اكثر من (1400 سنة) تتجدد تلك الدماء مع كل جيل وتلهم الاحرار في كل مكان. وكأن التاريخ كله بما فيه من ثورات وتضحيات يلتقي عند كربلاء ليؤكد حقيقة واحدة ان الدم الزكي قد يخسر في ساحة المعركة لكنه ينتصر وينتصر في وجدان الانسانية الى الابد. ولاجل ذلك كله بقي الحسين عليه السلام في وجدان محبيه واتباعه رمزا" للثورة الاعظم وشهيد الكرامة الانسانية. 
وفي ظهيرة كربلاء الحزينة الملتهبة كانت رمال المعركة تتلظى تحت شمس لا ترحم كأنها صفحة من نار مفتوحة على الافق، وحين سالت دماء الحسين عليه السلام ودماء اهل بيته واصحابه، لم تسقط على الارض سقوطا" عاديا" بل انسكبت غزيرة القطرات كالسيل على الرمل الساخن كأنها حروف من نور كتبت على وجه الصحراء معنى الفداء، وامتزج لون الدم الاحمر القاني بحبيبات الرمل الذهبية، فصار التراب شهيدا" اخر يحتفظ بسر المأساة وتشربت الارض الطاهرة بذلك الدم الزكي حتى بدأ كأن كربلاء كلها ارتدت ثوب الحزن والخلود.
كانت الريح المصفرة تمر على ميدان المعركة الملتهب فتثير غبارا" خفيفا" يعلو فوق الاجساد الطاهرة ثم يعود فيهبط على البقع القانية الاحمرار فيزيد المشهد وجعا" وجلالا"، هناك عند التقاء الدم بالرمال لم تعد الصحراء مجرد ارض قاحلة بل اصبحت شاهدة صامتة على هول المنظر وعلى اسمى صور التضحية، اذ احتضنت حرارة النهار حرارة الدم وامتزجت قساوة حرارة الاجواء وحالة العطش المضني بصفاء الشهادة حتى غدت كل ذرة من ذراتها تحمل اثرا" من تلك الملحمة الخالدة.
وهكذا بقيت رمال كربلاء وقد تشبعت بدم الحسين واهل بيته ذاكرة لا تمحوها السنين تروي للاجيال ان الدم الطاهر اذا لامس تراب الحق احياه وان الصحراء مهما اشتدت حرارتها تبقى عاجزة عن اطفاء وهج التضحية وتلك الحقيقة الكبرى والتي لا يمكن ان تحجب بغربال.

 

الحسين والثورة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!