كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الحكومة العالمية بين حلم السلام وخطر الاستبداد

 أشار الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، في أفكاره الفلسفية والسياسية خلال حقبة الحرب الباردة، إلى مشروع «الحكومة العالمية». ولم يكن يقصد بذلك حكومة سرية تتحكم بالعالم، بل سلطة دولية تكون وسيلةً لمنع الحروب وتسوية المشكلات العالمية الكبرى، ولا سيما بعد ظهور السلاح النووي وانتشاره بين القوى الكبرى.

وقد تمحورت أفكاره الجوهرية حول سؤال أساسي: هل تعني الحكومة العالمية إخضاع العالم كله لحكم جهة واحدة، أم أنها محاولة للبحث عن وسائل تنقذ البشرية من الحروب والفناء؟

عندما نسمع عبارة «الحكومة العالمية»، تتشكل لدى كثيرين صورة غامضة عن جهة سرية أو منظمة مجهولة تجلس خلف الستار، وفق تصورات نظريات المؤامرة، وتتحكم بالدول والشعوب والاقتصاد العالمي، وتقرر مصير العالم بعيدًا عن أعين الناس.

لكن النظر في أفكار راسل يكشف أن مفهوم الحكومة العالمية لديه كان مختلفًا تمامًا عن هذه الصورة الشائعة التي تتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى؛ فهو لم يطرحها بوصفها مؤامرة للنفوذ أو مقدمة للسيطرة على البشر، وإنما بوصفها حلًا لمشكلة الحرب، ولا سيما بعد دخول العالم العصر النووي.

 العصر النووي وتغيّر قواعد الصراع

كان راسل من أبرز المفكرين الذين أدركوا مبكرًا أن ظهور السلاح النووي غيّر قواعد الصراع بين الدول. فبعد استخدام الولايات المتحدة هذا السلاح ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية، بدأ سباق محموم بين القوى الكبرى، ثم امتد إلى عدد من دول العالم الثالث التي سعت إلى امتلاك تقنياته وإدخاله في ترساناتها العسكرية، بل والتهديد باستخدامه.

قبل صناعة السلاح النووي، كان بإمكان أي دولة أن تدخل حربًا ثم تتحمل نتائجها بصورة أساسية، أما في العصر النووي فقد أصبحت الحرب الكبرى تهديدًا عالميًا خطيرًا وكارثيًا يطال الجميع من دون استثناء، حتى الدول البعيدة عن ساحة المواجهة، وقد يهدد الحضارة الإنسانية نفسها بالفناء والدمار.

ومن هنا، بدأ راسل ينظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة، تتمثل في كيفية منع الحرب النووية التي كانت تلوح في الأفق آنذاك، في ظل احتفاظ كل دولة بجيشها وأسلحتها وحقها في استخدام القوة ضد دولة أخرى، بحق أو من دون وجه حق.

وكان راسل يعتقد أن السلام الدائم يحتاج إلى سلطة دولية تكون أقوى من قدرة الدول منفردةً على شن الحروب، مؤكدًا ضرورة وجود سلطة مركزية عالمية قادرة على استبدال منطق القانون بمنطق الفوضى الدولية.

  بين السلطة الدولية والهيمنة الأحادية

في ضوء هذا المفهوم، أعتقد أن بعض الدوائر الأمريكية، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حاولوا جعل الولايات المتحدة صاحبة السلطة المركزية في العالم، لكن هذه المحاولة فشلت فشلًا ذريعًا؛ إذ أسهمت سياساته، في رأيي، في زيادة الفوضى العالمية، وأدخلت العالم في حالة من التخبط لم يشهد مثلها طوال العقود الماضية.

كما أخفقت هذه السياسات في قيادة العالم أو تطبيق مفهوم سلطة الحكومة العالمية؛ لأن هذه السلطة، وفق مبادئ راسل، لا تقوم على هيمنة دولة عظمى واحدة وتوابعها وحلفائها، ولا على خضوع دول أخرى لإملاءاتها.

ولم يكن راسل يدعو إلى اختفاء الحكومات الوطنية أو تحوّل العالم إلى دولة واحدة، بل كان يرى أن الحكومة العالمية ينبغي أن تتولى وظائف محددة، في مقدمتها منع الحروب الكبرى المدمرة والسيطرة على الأسلحة الأكثر خطورة، فيما تبقى معظم الشؤون الداخلية بيد الحكومات الوطنية.

وهذا يعني وجود سلطة دولية عليا فوق الدول، تختص بالقضايا التي تهدد البشرية بأجمعها، لا حكومةً يوميةً تدير حياة الناس، ولا نظامًا فيدراليًا بالمعنى المتعارف عليه في بعض أنظمة الحكم السياسية المعاصرة.

 مَن يراقب السلطة العالمية؟

على الرغم من أن أفكار راسل تستهدف منع الحروب ووقف انتشار السلاح النووي، فإنها أصبحت موضع شك بسبب دعوتها إلى وجود احتكار عالمي للقوة المسلحة الخطرة؛ بما يمنع أي دولة منفردة من إشعال حرب عالمية تهدد الأمن والاستقرار الدوليين.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إثارةً للجدل والريبة: إذا احتكرت سلطة عالمية واحدة القوة العسكرية، فمن يراقب هذه السلطة؟

قد تتحول هذه السلطة إلى قوة دكتاتورية تحاول حكم العالم بالحديد والنار والاستئثار بمقدراته، كما تحاول الولايات المتحدة أن تفعل في الوقت الحاضر، وهذه من أكبر نقاط الضعف في مشروع راسل.

 الأمم المتحدة وعجز النظام الدولي

عند الحديث عن الحكومة العالمية، قد يتبادر إلى الذهن إمكان قيام منظمة عالمية، مثل الأمم المتحدة، بهذا الدور. غير أن الأمم المتحدة لا تلغي سيادة الدول، ولا تحتكر القوة العسكرية العالمية، كما تستطيع الدول الكبرى استخدام حق النقض «الفيتو» داخل مجلس الأمن.

ومنذ تأسيسها، بقيت هذه المنظمة، في كثير من الملفات، عاجزةً وخاضعةً لأهواء الدول النووية الكبرى ومصالحها، ولم تتمكن من حماية العديد من شعوب العالم المتضررة من العدوان.

كما اتبعت سياسات مزدوجة في معالجة المشكلات الدولية، وفقًا لمصلحة هذه الدولة الكبرى أو تلك، الأمر الذي أسهم في زيادة مآسي الشعوب ومعاناتها، والشواهد على ذلك حاضرة في أزمات كثيرة.

  تحديات تتجاوز الحدود الوطنية

بعد أكثر من نصف قرن على إطلاق أفكار راسل وبلورتها، أصبحت الحكومة العالمية تواجه تحديات حديثة تختلف عن قضايا الحقبة التي ظهرت فيها. فلم يعد العالم يواجه السلاح النووي وصراع القطبين، الاشتراكي والرأسمالي، فحسب؛ بل ظهرت مشكلات المناخ والاحتباس الحراري، والأوبئة والأمراض، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، واضطراب الأسواق المالية، والهجرة، والإرهاب، والطاقة، والركود الاقتصادي.

يضاف إلى ذلك سعي دولة عظمى إلى الانفراد بمقدرات الشعوب وإرهابها والسيطرة على العالم، من خلال فرض نظام القطب الواحد الذي بدأ بالتشكل بعد سقوط جدار برلين عام 1989، ثم تعزز بفعل حرب الكويت وانهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الشرقية.

إن هذه القضايا والمشكلات جميعها تتجاوز الحدود الوطنية، وقد أصبح العالم بحاجة حقيقية إلى سلطة دولية قوية بما يكفي لمنع الحروب والهيمنة المنفردة، ومعالجة القضايا المعاصرة التي نشأت وتراكمت، في جانب كبير منها، نتيجة أخطاء الدول النووية الكبرى ومطامعها التي لا تنتهي.

وفي الوقت نفسه، يبقى الخوف قائمًا من أن تخرج تلك السلطة العالمية عن مسارها الصحيح، وألّا يتمكن أحد من إيقاف نزعتها التسلطية أو الحد منها. وربما لهذا السبب ظلت الحكومة العالمية حتى اليوم فكرةً، أو حبرًا على ورق في كتب علماء السياسة والاجتماع والفلاسفة، معلقةً بين الحلم بالسلام الحقيقي والخوف من الاستبداد.

ومع ذلك، فإنني على يقين بأن سلطة عالمية عادلة ستتشكل يومًا ما، وستشرق شمسها، بإذن الله تعالى، من أرض الشرق الأوسط، لتملأ العالم نورًا وعدلًا إلهيًا بعد أن أثقله الجور، واستفحل فيه الظلم، وكثر فيه الظالمون.

❖ كتابات في الميزان ❖

يناقش المقال فكرة الحكومة العالمية عند برتراند راسل، ويميّز بينها وبين الصورة الشائعة عن حكومة سرية تدير العالم. ويرى أن الحاجة إلى سلطة دولية قادرة على منع الحروب النووية ومعالجة الأزمات العابرة للحدود تصطدم بخطر تحوّل هذه السلطة إلى قوة مستبدة لا تخضع للرقابة. وبين ضعف الأمم المتحدة ومخاطر الهيمنة الأحادية، تبقى الفكرة معلقةً بين حلم السلام والخوف من الدكتاتورية.

المقال.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!