الرئيس الأميركي وصناعة القرار
يُعد الرؤساء الأميركيون، بأفعالهم وتصرفاتهم ومن خلال التجارب العملية طوال الأعوام السابقة، من أغرب الشخصيات؛ إذ يكون التركيز الإعلامي عليهم، بصفتهم القيادية العليا، عالمياً وليس على المستوى الداخلي الأميركي فقط، لكونهم يقودون دولة لها وزنها، سواء قبلنا بذلك أم كنا من المعارضين له.
أقول إن التصريحات المنسوبة إليهم، أو التصرفات والأفعال التي يكون بعضها بهلوانياً ويصل إلى أن يكون هوليوودياً، وحتى أداء الدور الرئاسي، تكون مرسومة لهم عبر دوائر ومكاتب متخصصة تحدد مسارات حركتهم واتجاه بوصلة سياساتهم.
الجمهوريون والديمقراطيون
من المتعارف عليه أن الإدارة الأميركية عادة ما تكون إما جمهورية أو ديمقراطية؛ لأن الولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من مساحتها الشاسعة وولاياتها الخمسين وعدد سكانها الهائل والأفكار الفلسفية والاجتماعية والفكرية، وحتى المذاهب الاقتصادية، يسيطر على مشهدها السياسي حزبان: حزب «أجلكم الله» الحمار، وهو شعار الحزب الديمقراطي، وحزب الفيل، وهو شعار الحزب الجمهوري الحاكم حالياً.
وتكاد سياسة الحزبين تكون متماثلة ومتطابقة، إلا في جزئيات تتعلق بالسياسة الداخلية الأميركية والهجرة وبعض المسائل الاقتصادية. أما في جانب السياسة الخارجية والنفقات العسكرية والتدخل في مصائر شعوب العالم، فهي تكاد تكون مرسومة مسبقاً عبر عدة دوائر وشركات عملاقة لتصنيع الأسلحة، وشركات نفط احتكارية، ولوبيات سياسية متحكمة، ومكاتب استخبارية؛ وتلك هي بالتحديد أدوات الدولة العميقة في أميركا.
إن وجود تلك المؤسسات، إضافة إلى المصالح الاستراتيجية الدائمة، يتجاوز صلاحيات الرئيس والحزب الحاكم؛ لأنها كانت صاحبة الفضل الأول في وصوله، مع حزبه، إلى هذا المنصب.
المصالح الحاكمة للسياسة الأميركية
هناك أدوات أخرى مرتبطة بالمصالح الاقتصادية، تتشابك مع منظومة الحكم الأميركية، ويكون لها تأثير كبير وواسع في قراراته، مثل أمن الطاقة، وأعني البترول، وحماية التجارة العالمية، والمحافظة على قوة الدولار، وبالتأكيد استدامة التفوق العسكري والتكنولوجي الأميركي.
فالسياسة الخارجية الأميركية لا يرسمها حزب واحد، بل تصنعها منظومة متكاملة من المؤسسات والمصالح، بينما يأتي الرئيس ليمنحها اتجاهاً وأسلوباً خاصين به.
وعلى الرغم من تلك السياسة المرسومة مسبقاً عبر هذه الدوائر، فإن الرؤساء الأميركيين، وخصوصاً منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وهي لحظة التدخل الأميركي المباشر في منطقة الشرق الأوسط بعد تسلّم الدفة من الاستعمار البريطاني، ولغاية ولاية ترامب الثانية، شهدت عهودهم أحداثاً وفعاليات توهجت فوق صفيح ساخن.
وجعلت تلك الأحداث العالم يعيش أجواءً من الرعب خشية نشوب حرب نووية مع المعسكر الاشتراكي إبان الحرب الباردة، أو ما رافقها من أحداث سياسية كبرى وحروب بالوكالة كان ميدانها بلدان العالم الثالث المغلوبة على أمرها، مما جعل العالم يعيش تطورات خطيرة.
وسوف نتطرق إلى أولئك الرؤساء، بدءاً من الرئيس كيندي وحتى ولاية ترامب الثانية التي لم تنتهِ بعد، وستكون المقالة على قسمين.
الرئيس جون كيندي
شهدت ولاية الرئيس جون كيندي، من الحزب الديمقراطي، عام 1961 أحداث خليج الخنازير جنوب كوبا، ومحاولة التدخل في الشأن الداخلي الكوبي، وكانت غايتها إسقاط نظام كاسترو الشيوعي.
وبعد تلك المحاولة وفشلها الذريع، ازداد التقارب بين كوبا والاتحاد السوفيتي، وتطورت العلاقة لاحقاً إلى أحداث أكبر تمثلت في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي كانت من أخطر مواجهات الحرب الباردة، وكادت أن تكون شرارة الحرب النووية المدمرة بين المعسكرين المتنافسين الشرقي والغربي.
وانتهت ولاية كيندي، المضطربة داخلياً وخارجياً، وبفعل فاعل، باغتياله عام 1963 في مدينة دالاس بولاية تكساس. وارتبط اغتياله بالعديد من النظريات السياسية والتساؤلات المثيرة حول احتمال وجود جهات سياسية داخلية ومخابراتية متعددة وراء العملية.
الرئيس ريتشارد نيكسون
هو الرئيس الذي قدم استقالته قبل إكمال ولايته الرئاسية؛ إذ كانت نهايته السياسية بسبب فضيحة «ووترغيت»، التي بدأت باقتحام مقر الحزب الديمقراطي، المنافس لحزب نيكسون الجمهوري، بهدف التجسس.
ومع تصاعد التحقيقات وظهور أدلة تربط الإدارة الرئاسية بعملية التستر، اضطر نيكسون إلى تقديم استقالته في صيف عام 1974، ليكون الرئيس الأميركي الوحيد في التاريخ الذي استقال من منصبه.
الرئيس جيمي كارتر
هو رئيس من الحزب الديمقراطي، تولى الرئاسة من عام 1977 إلى عام 1981. وكانت ولايته مضطربة خارجياً، ورافقتها أحداث سياسية كثيرة، سواء في منطقة الشرق الأوسط أم في العالم كله.
وكان للرئيس كارتر دور كبير في تقريب وجهات النظر بين الرئيس المصري الأسبق أنور السادات ورئيس وزراء الكيان مناحيم بيغن، وأدى ذلك لاحقاً، وبدفع مباشر منه، إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد سيئة الصيت.
وعلى الرغم من الخدمات الجليلة التي قدمها إلى الكيان الإسرائيلي واللوبي الداعم له داخل واشنطن، فإن تلك الخدمات لم تنل رضا الكيان وداعميه؛ إذ كان سقوطه مدوياً في الانتخابات الأميركية عام 1980.
وساهمت أزمة الرهائن الأميركيين إبان الثورة الإيرانية ضد الشاه عام 1979 في تسارع سقوطه من سدة الرئاسة الأميركية، بسبب بطء رد فعله تجاهها، الذي لم يُرضِ الدوائر الإسرائيلية بصورة عامة.
الرئيس رونالد ريغان
وصل الممثل الأميركي رونالد ريغان إلى رئاسة الإدارة الأميركية، وحكم بقوة النار والحديد، وخصوصاً تجاه الاتحاد السوفيتي ومعسكره الشرقي. واستمرت رئاسته ثماني سنوات كاملة، من عام 1981 إلى عام 1989، وهو من الحزب الجمهوري، حسب العرف الأميركي غير المكتوب بشأن التناوب بين الحزبين.
وكان له دور بارز في دعم الكيان الإسرائيلي بكل الوسائل والسبل. كما كان له دور كبير، مع الحكومة البريطانية بقيادة مارغريت تاتشر، في استمرار الحرب العراقية–الإيرانية، حرب السنوات الثماني أو حرب الخليج الأولى، وزيادة سعيرها، والتأكيد على عدم خروج أحد البلدين منتصراً أو مهزوماً منها، قدر المستطاع.
وجرت محاولة تدمير البلدين، أحدهما للآخر، بصورة كبيرة من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، حتى يؤمَن جانبهما، وخصوصاً من ناحية احتمالية أن يشكلا تهديداً مستقبلياً للكيان والدول الحليفة للولايات المتحدة الأميركية.
ريغان والحرب الباردة
تبنى ريغان سياسة متشددة تجاه الاتحاد السوفيتي، وزاد من الإنفاق العسكري الأميركي، وكان صاحب وصف الاتحاد السوفيتي بأنه «إمبراطورية الشر».
كما ساهم بصورة كبيرة في إرساء سياسة حرب النجوم، التي عجّلت بانهيار المعسكر الاشتراكي، وأدت إلى زيادة سباق التسلح مع السوفييت، مما فاقم التأثيرات الاقتصادية الكبيرة فيه.
كان ريغان، الممثل الهوليوودي، شخصية محورية في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة، وأسهمت سياساته وخططه، إلى جانب إصلاحات غورباتشوف والعوامل الداخلية في الاتحاد السوفيتي، في التحولات الكبرى التي انتهت بسقوط جمهوريات الاتحاد السوفيتي وتفككه عام 1991.
كما ازداد الكيان الإسرائيلي خلال فترة حكمه قوةً من النواحي العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، بواسطة الدعم غير المحدود الذي قدمه ريغان شخصياً طوال مدة حكمه، وما تبعه من تطورات تداخلت معها سياسات مرسومة.
الرئيس جورج بوش الأب
هو جمهوري آخر تولى الرئاسة من عام 1989 إلى عام 1993، بعد أن كان نائباً للرئيس ريغان طوال ثماني سنوات. وشهدت هذه الفترة نهاية الحرب الباردة، التي كان مخططاً لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، حتى نجحت وأتت ثمارها خلال فترة رئاسته.
وكان هذا الرئيس ينادي دائماً بسياسة النظام الدولي الجديد، وسياسة دولة القطب الأوحد، وبداية عصر الهيمنة الأميركية على العالم أجمع.
ورافقت العصر الأميركي الجديد أحداث بدأت بسقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا، ثم الانهيار التدريجي لجمهوريات الاتحاد السوفيتي الخمس عشرة، مثل قطع الدومينو، ولحقه تفكك المنظومة الاشتراكية عن بكرة أبيها.
حرب الخليج وتدمير العراق
كان الشغل الشاغل، بعد سيطرة بوش على العالم بصورة عامة، تدمير العراق بعد الاحتلال الصبياني للنظام البائد لدولة الكويت عام 1990.
وقامت القوات الأميركية بإخراج القوات العراقية من الكويت، بعد تدمير البنية التحتية للعراق على المستويين العسكري والاقتصادي. كما واصل بوش الأب دعمه المتواصل والمتسارع للكيان الإسرائيلي.
وعلى الرغم من نجاحات بوش في حرب الخليج، خسر انتخابات عام 1992؛ إذ كانت سياساته الاقتصادية الداخلية وتأثر الشركات الأميركية الكبرى بها عاملاً مهماً في خسارته الانتخابات الرئاسية.
الرئيس بيل كلينتون
هذا الرئيس المتصابي، العاشق الولهان، من حزب الحمار، وأقصد الحزب الديمقراطي، تولى الرئاسة طوال ثماني سنوات، من عام 1993 إلى عام 2001.
وعلى الرغم من أن أميركا شهدت في معظم سنوات حكمه نمواً اقتصادياً قوياً، وانخفاضاً في معدلات البطالة، وازدهاراً مرتبطاً بالتوسع التكنولوجي والإنترنت، فإنها كانت، فيما يبدو، فترة لالتقاط الأنفاس بعد المغامرة العسكرية الكبرى في الخليج، والتحضير لعمليات عسكرية كبيرة في المستقبل القريب.
فضيحة مونيكا لوينسكي
شهدت ولايته فضيحة مونيكا لوينسكي، التي كانت أزمة أخلاقية كبرى تحدث عنها العالم طويلاً، بعد علاقته الجنسية مع الموظفة المتدربة في البيت الأبيض.
واتُهم كلينتون بالكذب تحت القسم، بعد أن حلف اليمين بعدم وجود تلك العلاقة، كما اتُّهم بعرقلة مسار العدالة. وبدأ مجلس النواب إجراءات عزله عام 1998، لكن مجلس الشيوخ لم يصوت على إدانته، لذلك بقي في منصبه حتى انتهاء ولايته عام 2001.
الرئيس جورج دبليو بوش الابن
تولى جورج دبليو بوش الابن، وهو من الحزب الجمهوري، الرئاسة من شتاء عام 2001 إلى عام 2009. وكان همه الأول تطبيق عصر القوة والهيمنة الأميركية على مقدرات العالم، وكان امتداداً طبيعياً لأفكار أبيه في اتباع سياسة النظام العالمي الجديد وبسط السيطرة والعنجهية الأميركية بأبشع صورها الاستعمارية.
وخلال فترة حكمه وقعت أحداث كبرى غيّرت ملامح المنطقة، وفي مقدمتها هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون.
وسواء كان هذا الاستهداف مخططاً له عبر دوائر استخبارية أميركية، أم من قبل منظمات جهادية إرهابية بعلم ومباركة استخبارية أميركية، فإن جورج بوش الابن استفاد منه بصورة كبيرة تحت ذريعة «الحرب على الإرهاب».
الحروب الاستباقية والشرق الأوسط الجديد
اعتمد بوش على القوة العسكرية في السياسة الخارجية، وارتبط عهده بمفهوم الحروب الاستباقية، خصوصاً بعد غزو أفغانستان لمواجهة تنظيم القاعدة في تشرين الأول عام 2001، ثم غزو العراق واحتلاله بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل في نيسان عام 2003.
ودخل العراق بعد الاحتلال في مرحلة طويلة من الفوضى والعنف والصراعات الطائفية والسياسية. وبعد ذلك بدأ تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي بدأت ملامحه تتشكل منذ تلك الفترة، وما زال في طور التشكل بعد تطبيع أغلب الدول العربية مع إسرائيل، بل وحتى التحالف معها.
وما زالت فكرة الشرق الأوسط الجديد مستمرة في دوران عجلتها، بعد أن لحقتها ما عُرفت بثورات الربيع العربي، التي كانت مخططاً لاحتواء دول المنطقة وبداية ترسيخ التطبيع النهائي.
خاتمة
نكتفي في هذا الجزء بسرد فعاليات الإدارات الأميركية وأدوارها إلى هذا القدر؛ إذ تبقى لكل رئيس أميركي علامته وماركته الخاصة التي يتركها في سدة الحكم ليتميز بها عن بقية أقرانه.
وسواء كان ناجحاً في قراراته أو تصرفاته أثناء قيادة الدولة الكبرى في العالم الرأسمالي القديم، تبقى تلك التصرفات مجرد رتوش وديكور مفتعل؛ لأن هدف جميع الرؤساء السابقين واللاحقين قد رُسم لهم مسبقاً، وكان قدرهم أن يكونوا فوق الصفيح الساخن.
❖ كتابات في الميزان ❖
يستعرض المقال مسيرة عدد من الرؤساء الأميركيين منذ جون كيندي حتى جورج دبليو بوش، رابطاً بين أزماتهم الداخلية وتحولات السياسة الخارجية والحروب التي خاضتها الولايات المتحدة. وينطلق من رؤية تعتبر أن الرئيس يعمل داخل منظومة أوسع تحكمها المؤسسات والمصالح الاقتصادية والعسكرية. ويجمع النص بين السرد التاريخي والموقف النقدي لإظهار أثر الإدارات الأميركية في الحرب الباردة والشرق الأوسط والعراق.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!