راودتني فكرة أن أقترب من العالم النفسي لطالباتي، وأن أتعرف إلى الكيفية التي ينظرن بها إلى أثر المشاعر وانعكاساتها على الإنسان في هذه الأعمار الفتية المفعمة بالحيوية والتساؤل. وضعت أمامهن علبة ألوان وطلبت من كل طالبة أن تختار اللون الذي تحبه أكثر.
ما إن بدأت التجربة حتى انهالت عليّ الأسئلة: ما لونكِ المفضل؟
ابتسمت وقلت: هذا هو الدرس الأول الذي ينبغي أن نتعلمه؛ أن نعتمد على أنفسنا في الاختيار، وألا نجعل أذواقنا وآراءنا رهينة لمزاج الآخرين. فاستقلالية الرأي والفكر والذوق هي الخطوة الأولى نحو بناء شخصية واثقة ومتوازنة.
لم أتوقع أن تثير هذه التجربة البسيطة كل ذلك الفضول والتفكير. بدا وكأن الطالبات يبحثن عن المعنى الكامن وراء الألوان، وعن سر ارتباطها بمشاعر الإنسان وأفكاره. تساءلن: لماذا نربط الألوان بالحالات النفسية؟ ولماذا نقول عن إحداهن إن مزاجها برتقالي وكأننا ننتقص منها، بينما نصف أخرى بأن مزاجها وردي وكأننا نمنحها وساماً من البهجة؟
لكل طالبة لونها المفضل، ولكل لون دلالاته في الوعي الجمعي. لكن هل صحيح أن اللون الوردي يبعث التفاؤل والفرح والابتسامة دائماً؟ هنا فاجأتني إحدى الطالبات بسؤال عميق يفوق عمرها:
هل الألوان هي التي تمنحنا معانيها، أم أننا نحن من نمنح الألوان معانيها؟
توقفت عند سؤالها كثيراً. فاللون الذي يبعث الأمل في نفس إنسان قد يثير الحزن أو التشاؤم في نفس آخر. وهذا يعني أن الإنسان هو الذي يضفي على اللون روحه ودلالته وفقاً لتجاربه ومشاعره ونظرته إلى الحياة.
حتى اللون الواحد تتعدد معانيه؛ فاللون الأسود، على سبيل المثال، قد يرمز لدى البعض إلى التشاؤم والانغلاق وكثرة الشكوى، وقد يرمز لدى آخرين إلى الوقار والهيبة، أو إلى الحزن النبيل الذي يدفع الإنسان إلى مواساة الآخرين ومشاركتهم آلامهم.
وحين شعرت أن الحوار أخذ منحىً فلسفياً جميلاً، سألت الطالبات: ما لون الثقة؟
اختلفت الإجابات، واختارت كل واحدة لوناً يعبّر عن تصورها الخاص للثقة. والأجمل من ذلك أنهن اندفعن للبحث عن الغاية من التجربة، حتى انتهين إلى نتيجة مشتركة مفادها أن الإنسان هو من يصنع دلالات الألوان، لا أن الألوان هي التي تصنع الإنسان.
أما أنا، فقد خرجت من هذه التجربة بقناعة تربوية مهمة؛ إذ لاحظت أن الفروق الفكرية والعقلية بين الطالبات تلاشت عندما حضر النشاط الفكري القائم على الحوار والاكتشاف، لا على التلقين. وأدركت أن الفكرة الصغيرة إذا أُحسن توظيفها يمكن أن تتحول إلى حقل واسع من الأشجار الخضراء المثمرة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!