نحن نعرف، ويعرف الجميع، أن دم الشباب دمٌ يافع، حارّ، مليء بالحراك والطموح. لكن، ورغم هذه الحقيقة، نرى اليوم جيلًا يفقد هذا الوهج شيئًا فشيئًا. وإذا تأملنا هذا الفقدان، سنكتشف أننا—رغم شبابنا—تحوّلنا إلى مجرد أوعية تلقٍّ، نستقبل الأفكار دون تمحيص، ونكررها دون وعي… كأننا صدى لما يُنشر، لا مصدرًا للفكر.
صرنا ببغاوات رقمية، نعيد ما يُطرح في فضاء الإنترنت حرفيًا، ننقاد خلف كل منشور، ونتأثر به حتى وإن خالف تربيتنا، وأخلاقنا، وقيم ديننا. نؤمن اليوم بفكرة، ثم تأتي فكرة أخرى فتمحوها، فننتقل من قناعة إلى أخرى، بإيمانٍ متذبذب، وهويةٍ مهزوزة.
وسط هذه التبعية الفكرية، يبرز سؤال مُلحّ:
متى سيكون لنا رأيٌ نابعٌ منا؟ متى نمتلك فكرًا يمثلنا، وهويةً لا تتبدل مع كل منشور؟
إن الواقع يطرح تساؤلات مؤلمة:
لماذا بدأنا نفقد روح الشباب، ونعيش شيخوخةً مبكرة؟ لماذا نقف عند كل كلمة تُقال، نُحمّلها ما لا تحتمل، ونُضخّمها حتى تفقد معناها الحقيقي؟ لماذا نُعطي للأشياء أكبر من حجمها، فنغضب بسرعة، ونتعصب لأتفه الأسباب، وكأن قلوبنا فقدت سكينتها؟
إن السلام النفسي ليس رفاهية، بل ضرورة.
ومن خلال احتكاكي ببعض الفتيات، أكتشف حجم المفاهيم المغلوطة التي تسللت إلى حياتهن؛ فإحداهن ترى أن الكرامة تعني العزلة والانطواء، بينما الحقيقة أن الكرامة تُبنى من خلال التوازن: في احترام الآخرين، واحترام الذات، وفي الأثر الطيب الذي يتركه الإنسان في مجتمعه.
إن سرعة الانفعال ليست قوة، بل علامة على اضطراب داخلي. وقد ورثنا—من حيث لا نشعر—أفكارًا أربكت حياتنا، حتى أصبحنا نظن أن رهافة الحس جزء من العنفوان الشبابي، بينما هي، في حقيقتها، قد تكون مدخلًا لاضطرابات نفسية عميقة.
فالفتاة التي تُفرط في البحث عن الاستحسان، وتُرهق نفسها بمتابعة آراء الآخرين في جمالها وتصرفاتها، قد تنسى ذاتها وسط هذا الضجيج. ومع الوقت، يتحول هذا السلوك إلى قلقٍ دائم، وخوفٍ خفي، وتشتتٍ يعيق أي محاولة للنجاح، فتجد نفسها أسيرة تناقضات نفسية تُفقدها توازنها.
ومن هنا، فإن الخلاص يبدأ من إعادة تشكيل الوعي، بالبحث عن المؤثر الإيجابي، والتمسك بالقدوة الصالحة. إن العودة إلى سيرة أهل البيت عليهم السلام، والتأمل في منهج سيدة نساء العالمين، يمنح الإنسان قوةً داخلية وثباتًا نادرًا. فقد عاشت في عالمٍ مليء بالتناقضات، واجهت محاولات لزعزعة ثقتها، لكنها صبرت، وصمدت، وقاومت، وصنعت من يقينها منهجًا للثبات.
إن التعلق بهذه النماذج الإيمانية ليس مجرد عاطفة، بل هو استعادة للاتزان، وبناءٌ للوعي، وتجديدٌ للطاقة الروحية. ومن هنا، تعود للإنسان حيويته، وصفاء فكره، وهدوءه النفسي، وإيمانه العميق بحكمة الله تعالى.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال أثر مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي الشباب، محذرًا من الانسياق وراء الأفكار المتداولة دون تمحيص، وما يسببه ذلك من اضطراب في الهوية وفقدان للتوازن النفسي. ويؤكد أن بناء الشخصية يبدأ من الوعي والقدوة الصالحة، وأن استلهام سيرة أهل البيت (عليهم السلام) يمنح الإنسان الثبات والطمأنينة في مواجهة تحديات العصر.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!