حل العاشر من شهر ذي الحجة، يوم عيد الأضحى واختتام بقية شعائر الحج إلى بيت الله الحرام، فيما يبدو أن أغلب المسلمين غير مدركين لحقيقة هذه الشعيرة المقدسة، وما اختزلته من أعمال عبادية، كنية إحرام ما تعنيه من عزم على هجر الذنوب والمعاصي، وإحرام تعبيرا عن التطهر مما مضى من العمر، والتهيء لما بقي منه، استعدادا ليوم الانقطاع عن الدنيا والوفادة إلى الله، وما في ذلك الحج من أركان طواف قدوم وإفاضة بحضرة الذات الإلهية، تعبيرا عن اللواذ به، وطلب الإنخراط في سلك عباده الصالحين، فهو أصل الوجود، ومنه نشأ الخلق وانبعثت الحياة، والسعي بين إليه في هذه المواقيت، رجاء كرم جوده ونوال رحمته .
حل عيد الأضحى ككل سنة والمسلمون غمرة سكرتهم وغفلتهم غارقون، مصرون على التمسك بقشور الدين وظواهره، متباعدون عن لبه وجواهره، متجاهلون بذلك قضاياه وأساسات عزه وقوته، رضوا بأن يكون عامتهم وعموم شعوبهم كالأنعام، بل أضل سبيلا، كما قال بشأنهم خالقهم: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل أضل سبيلا). يتخطفهم أعداؤهم ويتحكمون فيهم إذلالا وامتهانا، فلا يردون كيدا كائد منهم، ولا يمنعون مغير غائر على أرضهم غارة، سوى قليل ممن ( قالوا ربنا الله ثم استقاموا)، عامتهم غثاء كغثاء السيل، كما أخبر عنهم سيد الانبياءالأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله عندما ساله بعضهم: أمن قلة نحن؟ فقال: بل غثاء كغثاء السيل .
فأي إسلام هذا الذي فقد أهله منه قيادة عالمة عارفة حكيمة، بعيدة عن التطرف والغلو، وسطية في فهمها للدين بيانا وارشادا؟ تسلك برعيتها سبيل الصلاح والتقوى؟ وأي إسلام هذا الذي أسقط أهله منه الجهاد بالأموال والأنفس؟ وأي إسلام هذا الذي لا تراعى فيه حقوق شعوبه في الأمن والعدل؟ وأي اسلام هذا الذي تفككت فيه مجتمعاته تفككا عجيبا، فلا حقوق جيرة روعيت، ولا حقوق أرحام أعتبرت، ولا غيرة على الدين والأوطان أخذت في مقابل سطوة أعداء عزموا على محق إسلامنا واستبداله بإبراهيمية صهيونية؟
وأي إسلام هذا الذي فقد أهله - إلا ما رحم ربي - الغيرة على دينهم، فلم يعد يحرك مشاعرهم شيء من انتهاك حقوق إخوانهم، وهتك أعراضهم، وقتل أفرادهم، وتدمير أملاكهم، وتشديد الحصار عليهم، اضعافا لقدراتهم واستهانة بشأنهم، وفي الإمكان تجاوز كل تلك النقائص والإخلالات بالوحدة واجتماع الموقف؟ لا أقول حكوميا فأغلب الحكومات تابعة للغرب وماضية في تنفيذ رغباته، وهي في أغلبها سلب للهوية الاسلامية، التي يراها هؤلاء عائقا مانعا من احكام سيطرته علينا.
غزة تباد بوحشية مفرطة، ومصر تساهم بقسط وافر في ما يدبر لها من جرائم، وكسر الحصار من جانب مصر واجب ديني واخلاقي، لن يسقط عنها حكومة وشعبا بأي حال، وغزة تقصف كل يوم، على مرأى ومسمع من عالمنا الإسلامي، ولبنان واليمن وإيران يعتدى عليهم من أجل مواقفهم المناصرة لفلسطين، والدول المسماة اسلامية بموقف المتفرج الذي يرى أمامه ما يجري من عدوان سافر هنا وهناك، فلا يحرك ساكنا، وما خفي من التقصيرات أعظم، وكلما يزداد العدوان ضراوة، وأهله عتوا واستكبارا، والضحايا نداء استغاثة وصياحا، فلا يجدون من يلبي كما يلبي الحجاج لبيك اللهم لببك بالسنتهم، فليتهم فتحوا قلوبهم ولبوا حقيقة تعيد إليهم وعيهم، بما يمنحهم من الله قوة إلى قوتهم؟ من شأنه أن يعيد إليهم صوابهم، ولكن أسمعت لو ناديت حيا لكن لا حياة لمن تنادي.
أضحية العيد ليست واجبة، وركن الحج على المستطيع إليه سبيلا، فكيف بالأضحية، والقيام بها أصبح عادة، وتحول من مقصد العبادة إلى ما دونها، وهذا من مفارقات مجتمع، يكاد ينسلخ عن دينه إلى مظاهر تغربية، تأسست على ثقافة لا تعطي للإسلام مكانته التي يستحقها، في أن تكون أحكامه دستور المجتمع، وحصنا حصينا من كل شائبة قد تطرأ عليه من دسائس أعدائه، فيه هدى ورحمة للعالمين.
نحن اليوم كمسلمين بحاجة إلى العودة السريعة للتمسك بإسلامنا، ليس على سبيل التقليد، ولا باتباع أدعياء العلم والفقه من شيوخ البيترودولار، فقد أثبت التقليد أنه خال من الدليل المنطقي، بل بالعودة إليه من باب العلم والمعرفة، وهو أساسا الداعي إلى ذلك، أعداؤنا كشروا عن انياب حقدهم، ولا مجال لموتجهتهم وافتكاك حقوقنا منهم بغير الوعي والوحدة والبذل في سبيل الله، فهل ستعي الأمة بمخاطرها وتحدياتها؟


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!