في زمن أصبحت فيه السياسة الأميركية والغربية شديدة التأثر بنفوذ أصحاب الثروات الكبرى ومراكز المال والشركات وجماعات الضغط، تراجعت، في نظر كثيرين، قيمة الديمقراطية التي يرفع الغرب شعاراتها؛ إذ باتت القوة المالية قادرة على التأثير في الانتخابات وصناعة القرار وتوجيه السياسات التي تمس مستقبل شعوب العالم، من دون أن تحظى القيم الإنسانية بالمكانة التي تستحقها.
وبعد سبعة وأربعين عامًا من العقوبات والخصومة المتواصلة منذ انتصار الثورة الإسلامية سنة 1979، انتقلت المواجهة الأميركية–الإيرانية إلى طور عسكري مباشر. فقد شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات واسعة على إيران، طالت قيادات سياسية وعسكرية ومنشآت ومواقع متعددة، فيما رأت طهران أن الهدف يتجاوز الملف النووي إلى إضعاف النظام ومحاولة تغيير معادلات القوة في المنطقة.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن عقود من التوتر والحصار والعمليات السرية والاغتيالات المتبادلة، أو عن الصراع المفتوح بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بشأن النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي وأمن الخليج.
الدعاية وصناعة المواقف
طغت الدعاية الغربية طويلًا على جانب واسع من الخطاب الإعلامي العالمي، وأسهمت في تشكيل تصورات النخب والجماهير تجاه قضايا المنطقة. ولم يعد التأثير الإعلامي مجرد وسيلة مرافقة للسياسة، بل أصبح جزءًا أصيلًا من أدوات الصراع وإخضاع الشعوب وتوجيه مواقفها بما يخدم مصالح القوى الكبرى.
وتقدم المنظومات الغربية نفسها بوصفها حاميةً لحقوق الإنسان والقانون الدولي، غير أن تعاملها مع فلسطين ولبنان وغيرها من ساحات النزاع كشف، في نظر منتقديها، ازدواجية واضحة في تطبيق هذه المبادئ.
فما جرى في غزة من قتل واسع وتدمير للمدارس والمستشفيات والجامعات والبنى المدنية، وما شهدته لبنان وإيران واليمن والعراق من هجمات وصراعات، يضع الخطاب الغربي أمام سؤال أخلاقي كبير: هل القوانين الدولية وحقوق الإنسان مبادئ عامة، أم أدوات تُستخدم انتقائيًا تبعًا لهوية الضحية ومصالح القوى النافذة؟
إن استهداف المؤسسات المدنية والعلمية لا يقتصر أثره على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى تعطيل التنمية وإضعاف الحركة العلمية وحرمان المجتمعات من فرص التقدم والاستقرار.
إيران بين الضغط ومحاولة إسقاط النظام
لم يكن العدوان الأميركي على إيران، في قراءة طهران ومؤيديها، منفصلًا عن تاريخ التدخل الأميركي في البلاد، ولا عن الرغبة في إعادة فرض الهيمنة على مواردها وخياراتها السياسية.
فقد أنهت الثورة الإيرانية سنة 1979 مرحلةً كان فيها النفوذ الأميركي حاضرًا بقوة في القرار الإيراني. ومنذ ذلك الوقت واجه النظام الجديد سلسلة من الاضطرابات والاغتيالات والحرب والعقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية.
ومع ذلك، استطاعت الدولة الإيرانية الاستمرار وتطوير قدرات عسكرية وعلمية وصناعية، على الرغم من الثمن الاقتصادي والاجتماعي الكبير الذي دفعه الشعب الإيراني نتيجة العقوبات وسوء الإدارة الداخلية والصراعات الإقليمية.
والاعتراف بقدرة إيران على الصمود لا يعني تجاهل المشكلات الداخلية أو تبرئة سياساتها من النقد، بل يعني قراءة قدرتها على الاستمرار ضمن سياق الضغوط التي تعرضت لها طوال العقود الماضية.
مواجهة غير مسبوقة
أظهرت الحرب الجارية أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة لم تعد تدار بالوكالة وحدها، بل تحولت إلى اشتباك مباشر شمل المجالين العسكري والبحري، وامتدت تداعياته إلى عدد من دول المنطقة.
وقد تعرضت منشآت وقواعد ومصالح أميركية لهجمات إيرانية، وسُجلت أضرار في طائرات عسكرية أميركية داخل قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن؛ إذ تضررت طائرة من طراز A-10 بصورة كبيرة، فيما أصيبت مقاتلات من طراز F-15 بأضرار محدودة وأُعيد بعضها إلى الخدمة. رويترز
ولا يمكن، مع ذلك، وصف نتيجة الحرب حتى الآن بأنها نصر كامل لطرف أو هزيمة نهائية للآخر؛ فالمواجهة ما تزال مستمرة، والخسائر والروايات العسكرية المتضاربة تحتاج إلى تحقق مستقل قبل بناء الأحكام القطعية عليها.
لقد أثبتت إيران قدرتها على الرد وإلحاق الضرر بمصالح خصومها، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل ألحقتا، في المقابل، خسائر كبيرة بالمنشآت والقيادات والقدرات العسكرية الإيرانية. ولهذا فإن الحديث الدقيق يجب أن يفرق بين الصمود وتحقيق النصر النهائي.
البرنامج النووي بين الروايتين
أسهمت قدرة إيران على الاستمرار في مشروعها النووي في زيادة حدّة المواجهة. وتصر طهران على أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية، وأنها لا تسعى إلى إنتاج سلاح نووي.
لكن القول إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أثبتت عدم وجود أي جانب عسكري ليس دقيقًا؛ فالوكالة لم تعلن امتلاك إيران قنبلة نووية، لكنها تحدثت عن مواد نووية في مواقع غير معلنة وعن قصور في التعاون والقدرة على التحقق من المخزون الإيراني.
وفي 9 سبتمبر/أيلول 2026، أحال مجلس محافظي الوكالة ملف عدم تعاون إيران إلى مجلس الأمن، للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، وسط اعتراض طهران وروسيا والصين، وتأكيد إيران أن ظروف الحرب تعرقل عمل المفتشين. أسوشيتد برس
وهكذا يبقى الملف بين روايتين: رواية إيرانية تؤكد سلمية المشروع وتصف الاتهامات بالتسييس، ورواية غربية ترى أن مستويات التخصيب وضعف الرقابة يثيران مخاوف جدية. ولا يمكن للكاتب المنصف أن يحسم المسألة بإلغاء تقارير الوكالة أو اعتماد الاتهامات الغربية بلا مناقشة.
حرب الناقلات ومضيق هرمز
شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا بحريًا خطيرًا؛ إذ هاجمت الولايات المتحدة ناقلات إيرانية قرب جزيرة خرج، وردت إيران بالإعلان عن استهداف عشر سفن قرب مضيق هرمز، بينها سفينتان قالت إنهما أميركيتان وثماني ناقلات أخرى.
لكن الولايات المتحدة نفت إصابة سفنها العسكرية، ولم يتوافر تأكيد مستقل لجميع الادعاءات الإيرانية. لذلك لا يصح الجزم بأن إيران أغرقت بواخر أميركية أو دفعت الأسطول الأميركي إلى الفرار. الثابت أن المواجهة أصابت حركة الملاحة وألحقت أضرارًا بسفن وناقلات، وأسهمت في رفع أسعار النفط إلى أكثر من مئة دولار للبرميل. رويترز، الغارديان
ولم يعد مضيق هرمز يعمل بالصورة الطبيعية التي كان عليها قبل الحرب؛ إذ تراجعت حركة الملاحة فيه بشدة وأصبح عبوره مرتبطًا بالمخاطر العسكرية والتأمين والموافقات الميدانية.
لكن توصيف المضيق بأنه خاضع بالكامل لإيران يحتاج إلى دقة؛ فهو ممر دولي تطل عليه إيران وسلطنة عُمان، وما يجري فيه اليوم يمثل سيطرة عسكرية واقعية واضطرابًا للملاحة، لا انتقالًا قانونيًا لملكيته إلى دولة واحدة.
إن تحول المضيق إلى ساحة حرب لم يضع الولايات المتحدة وحدها في مأزق، بل ألحق أضرارًا بدول المنطقة وبالاقتصاد العالمي، ورفع تكاليف الطاقة والتأمين والنقل والغذاء.
إسبانيا ترفض الانخراط في الحرب
في مقابل المواقف الغربية الداعمة للهجمات، برز موقف إسبانيا التي رفضت السماح باستخدام قاعدتي روتا ومورون في عمليات هجومية على إيران، وعدّت الحرب مخالفةً للقانون الدولي، داعيةً إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية.
ويمثل هذا الموقف دليلًا على أن الغرب ليس كتلةً سياسية واحدة، وأن داخل أوروبا أصواتًا ترفض الانخراط في الحروب الأميركية أو منحها غطاءً تلقائيًا.
لكن الاقتباس المتداول والمنسوب إلى الصحفي الإيطالي ميشيل سيرا، الذي يُزعم أنه خاطب ترامب بالقول: «كل شيء بسببك أصبح ثمينًا إلا أنت أيها الرخيص»، لم أجد له تسجيلًا أو مصدرًا صحفيًا موثوقًا؛ لذلك لا يصح إدراجه في المقال بوصفه واقعة حقيقية.
القواعد الأجنبية وأمن المنطقة
أظهرت الحرب خطورة تحويل أراضي دول المنطقة إلى منصات عسكرية لقوى أجنبية؛ لأن وجود القواعد الأميركية جعل البلدان المضيفة عرضةً للرد الإيراني، حتى عندما لم تكن شعوبها طرفًا مباشرًا في قرار الحرب.
ومن حق شعوب المنطقة أن تسأل حكوماتها: ما طبيعة الاتفاقات التي تنظم وجود هذه القواعد؟ وهل توفر الحماية فعلًا، أم تحول أراضي الدول المضيفة إلى أهداف عسكرية؟ ومن يتحمل مسؤولية الخسائر حين تستخدم قاعدة أجنبية في عمليات ضد دولة مجاورة؟
إن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى على تحويل دولة إلى أداة لمحاصرة أخرى، ولا على نشر القواعد والأساطيل وحدها، بل يحتاج إلى منظومة إقليمية تضمن سيادة الدول وحرية الملاحة وعدم استخدام أراضيها لشن الاعتداءات.
الصمود ليس نهاية الحرب
دخلت إيران مرحلة جديدة من إثبات قدرتها على الصمود والرد، وأظهرت أن الضغط العسكري والاقتصادي لا يكفي لإجبار دولة كبيرة على الاستسلام. لكن الصمود، على أهميته، لا يلغي الخسائر البشرية والاقتصادية، ولا يجعل الحرب طريقًا مضمونًا إلى النصر.
كما أن الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية يمثل تصعيدًا بالغ الخطورة، وتصفه طهران بأنه عمل غير قانوني وقرصنة، بينما تبرره واشنطن باعتبارات عسكرية وأمنية. وهذا خلاف قانوني وسياسي لا يصح حسمه بعبارة واحدة من دون الرجوع إلى قواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
لقد أثبتت سبعة وأربعون عامًا أن إيران قادرة على تحمل ضغوط ضخمة، وأن إسقاط نظامها بالقوة ليس هدفًا يسيرًا. لكن القوة الحقيقية لا تظهر في الصمود العسكري وحده، بل في حماية المدنيين والاقتصاد، وصيانة وحدة المجتمع، وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة تستنزف المنطقة بأكملها.
عدّلوا منبّهاتكم
من كان غافلًا فلينتبه، ومن كان نائمًا فليستيقظ. لقد تغيرت موازين المنطقة، ولم تعد القوة الأميركية قادرة على فرض إرادتها من دون مقاومة أو تكلفة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نضبط منبهاتنا على دعاية هذا الطرف أو ذاك، بل على توقيت الحقيقة والمصلحة الإنسانية. فإيران تستحق الدفاع عن سيادتها وحق شعبها في الحياة والتنمية، مثلما تستحق شعوب المنطقة كلها أن تُجنَّب الحروب والحصار والهيمنة.
إن مواجهة الاستكبار لا تكتمل بترديد الشعارات، بل تحتاج إلى عدالة داخلية، واقتصاد قادر على الصمود، واحترام الإنسان، ووحدة شعبية، وخطاب يستند إلى الحقائق لا إلى الأخبار غير الموثقة.
لقد بدأت معزوفة الصمود الإيراني، لكن الحكم النهائي على نتائجها لن تصنعه الأناشيد وحدها؛ بل ما ستكشفه الوقائع، وما سيناله الشعب الإيراني وشعوب المنطقة من أمن وكرامة واستقلال.
❖ كتابات في الميزان ❖
ينطلق المقال من موقف مؤيد لإيران، ويقرأ مواجهتها مع الولايات المتحدة بوصفها صراعًا بين مشروع استقلالي وهيمنة غربية مدعومة إسرائيليًا. وتتمثل قوته في إبراز ازدواجية الخطاب الغربي وكلفة القواعد الأجنبية والحرب البحرية، لكنه كان يخلط بين الصمود الإيراني والنصر العسكري المحسوم. وبعد التدقيق، يصبح النص أكثر إقناعًا حين يعترف بخسائر الطرفين، ويميّز بين البيانات العسكرية المتعارضة والوقائع التي أكدتها مصادر مستقلة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!