تتمثل قدرة الاستيعاب في الأساليب الفنية الحديثة في دمج وتداخل الأجناس الأدبية المختلفة، مثل: السرد، الوصف، المقالات، المسرح، التناص، الرسائل، التعريفات، مع التنوع والابتكار لخلق مساحة تأثيرية جاذبة واستثمار التطورات الإبداعية المعاصرة. تحتوي رواية "آخر الواصلين" على أكثر من أسلوب وتقنية، وتقدّم تحديثات فلسفية مستمدة من التاريخ والمجتمع والواقع، بهدف نشر المعرفة وترسيخ قضية عاشوراء والإمام الحسين عليه السلام بكل أبعادها، والخروج عن بناء الرواية التقليدية بأنماطها المألوفة.
تعتمد الرواية على تبني التاريخ وقراءته قراءة فكرية ليكون مرتكزًا سرديًا قادرًا على الإقناع، وقد جاء في الإهداء:
"غريبة هي قضية الحسين عليه السلام"
هذه العبارة قادت الباحث إلى التساؤل عن معنى الغرابة، وفتحت أبعادًا تفسر هذا الوجه عبر المزايا التي يحملها الرمز الحسيني السماوي، ومنها:
هو النور الخامس من أصحاب الكساء.
اسمه على ساق العرش.
نور من عالم الأنوار.
دعا باسمه الأنبياء.
حفظ رسالة السماء وأكمل التبليغ.
تجلّى في خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأدب علي وفاطمة والحسن عليهم السلام.
أما المزايا الأرضية، فلا يمكن لأي كاتب أن يفيها حقها، فمداد الأقلام يجف قبل أن تحتوي واقعة الطف. وجود الحسين عليه السلام أكبر من كل ما يكتب وسيكتب، والقضية ليست مجرد إنشاء أو إطلاق عبارات رنانة، بل هي حقل معرفي قطع البحث العلمي فيه أشواطًا كثيرة للوصول إلى كنه الواقع. وما كتب يُعد القاعدة الصلبة للنصرة الحسينية والولاء لأهل البيت عليهم السلام، ومهما حاولت العقول استيعابها، فلا يمكن تصور كامل فكر الحسين ونهضته.
وقد جاء الإهداء:
"إليك يا من خُضب جبين الأمة بنقاء دمائه"
تقدّم المقدمة الشعرية قراءة عميقة للمسعى القصدي للكتابة، بما يشمل الولاء والنصرة، وتجعل من العالم اليقيني امتدادًا شعاعيًا يُثير في الكون الحب، الصبر، القداسة والإجلال.
سعت الأديبة نعمت أبو زيد إلى تحويل انعكاسات الواقعة الحسينية عبر الأجيال إلى واقع معاش، سواء من خلال الاحتفائية أو الصمود والصبر والتحمل، إذ أصبح الواقع المعاصر جزءًا من الطف الحسيني. وقد رصدت الرواية هذا الواقع الحسيني الذي يتجلى سنويًا في مواجهة الحسين × يزيد التي تتحوّل إلى الشعب × الطغاة، ومن يعيشون في ظل العروش المقيتة.
واطلّت الكاتبة على الواقع عبر مفردتين انطلقت منهما إلى وحي الحقائق من الماضي والحاضر:
"شاهدت": وقفت عند النافذة، أختلس النظر، وشاهدت شبانًا يحملون أكياس الأرز، وآخرون يحملون الأواني، والكل في عمل دؤوب.
"سمعت": قصة تشبه الكثير من الحكايات التي يمكن سماعها على امتداد الوطن وفي أي جيل.
هاتان المفردتان عززتا المفهوم الإنساني، ووضعا رصدًا شعوريًا مع حركة "شاهدت" (الكل في عمل دؤوب يسابقون الشمس على الشروق)، وبين "سمعت" الجار أبو حسين على كرسيه المتحرك، ولا يقوى على الحركة إثر إصابة تعرّض لها أيام الحرب.
أما قيم التجلي، فتتمثل في مفردة تدل على وجدان الحاضر، تعمّق في وجدان المشهد، وتكشف عن عوالم الهوية:
"هل صليت؟"
سعت الرواية إلى تسويق الأحداث ذهنياً، وتوظيف ملكة التحليل واستقراء الماضي السياسي الذي عاش فيه العراق.
: الكاتبة نعمت أبو زيد رأت وسمعت وقرأت وكتبت لتعبّر عن الألم بوصفه قيمة إنسانية عميقة، حتى بدت تجربة الدخول إلى سجونهم كالدخول إلى القبر. فالكاتبة الحرة هي التي تخدم قضيتها، ولذلك عملت على جملة من الوظائف الأدبية، وسعت إلى تحليل الأحداث والانفلات من قواعد الجنس الأدبي التقليدية.
لقد تحمّلت الكاتبة مسؤولية إدراك التطور الجمالي والفني، مع مراعاة الأحداث والأدب والذائقة العامة وجماليات التلقي والتأثير. وتكشف كتابتها عن ثقة عالية بالنفس؛ إذ مزجت بين الأجناس الأدبية داخل بنية منجزها، فداخلت بينها العديد من فنون النثر مثل: القص، والتفسير، والتفصيل، والخبر، والتعريف، وجعلت بعض هذه العناصر تتجاوز المتن الروائي التقليدي.
إن الكتابة الحرة لا تبحث عن مؤسسة تنظيرية ثابتة تحدد مقومات المنجز ومرتكزاته وتعقّد دلالاته، بل تنفتح على آفاق متعددة في التعبير. ومن أبرز مرتكزات منجزها التناص؛ أي تداخل النصوص وتعالقها عبر الاقتباس أو التلميح أو محاكاة نصوص أدبية سابقة، سواء كانت سياسية أم اجتماعية، بما يثير في ذهن المتلقي معاني وصورًا مسبقة تضيف عمقًا وثراءً للنص.
ومن خلال هذا التناص تكشف الكاتبة الماضي وتعرّي الفكر المنحرف لبعض قيادات العراق، ومنهم الطاغية، إذ تستحضر خطابه حرفيًا أو بما معناه:
"من غير الممكن أن نحشر معالجاتنا للشؤون الدنيوية للحياة الراهنة حشراً فقهياً دينياً؛ لأن المشكلات التي واجهتها العصور الإسلامية الأولى، التي وضعت فيها قواعد الفقه، لا يمكن أن تُسقط على واقع الحياة العصرية بما فيها من تطور."
ومن خلال هذا التناص يمكن قراءة صور أخرى لما يعانيه أهل الإيمان، فالتناص هنا يمثل مخزونًا ثقافيًا يرتكز على الهوية، ويعيد استحضار النصوص التي كوّنت الذاكرة الجمعية لتوضيح معالم الإرادة الشعبية العراقية وفهم ما كان يواجهه المؤمنون.
كما أن للتناص قدرة على إخراج المنجز الأدبي من المألوف إلى كسر التوقع. ومن الأمثلة التي تذكرها الكاتبة لتعزيز الموقف وبناء الرؤية الفنية تعريفها لبعض المفاهيم، مثل الدعاء: روح العبادة وحقيقتها.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض."
هذا التناص يستخلص لنا الرؤية والعبرة من الزيارة الأربعينية بوصفها وظيفة تعبيرية للتفاعل الإيماني. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:
"ما من أحد ابتُلي، وإن عظمت بلواه، أحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء."
وتمر في الرواية أحداث واقعة الطف، وتُذكر شخصيات تاريخية وثقافية مثل الشيخ ابن فهد الحلي، إذ إن الجميع يحتاج إلى الدعاء: المعافى والمبتلى. وقد حثّ أهل البيت عليهم السلام على الدعاء، وكذلك الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حين قال لأبي ذر رضي الله عنه:
"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة."
وعند الإمام الصادق عليه السلام ترتبط استجابة الدعاء بالمعرفة، إذ قال:
"إنكم تدعون من لا تعرفونه."
نرصد في الرواية خروج الكاتبة عن المألوف وكسر نمطية الأجناس الأدبية، إذ يتحول بعض مقاطعها إلى مرتكز بحثي، كما فعلت حين بحثت في جذور مفهوم الدعاء. فقد تحرك المنجز في عوالم القناعات والتصورات، وناقش بعض المسائل الفقهية والفكرية، ومنها علاقة الدعاء بالقدر؛ إذ يتساءل البعض: إذا كانت الحاجة مقدّرة فهي واجبة الحصول، وإن لم تكن مقدّرة فلا يمكن أن تتحقق، فما فائدة الدعاء؟
وقد أجاب السيد الطباطبائي قدس سره بأن تقدير وجود الشيء لا يعني استغناءه عن أسباب وجوده، والدعاء أحد أسباب تحقق الشيء؛ فمع الدعاء يتحقق سبب من أسباب الوجود، وهذا ما يُقصد بقولهم: إن الدعاء من القدر.
وأرى أن كتابة الرواية بهذا الأسلوب تُعد مغامرة أدبية كبيرة، إذ قد تخلق هذه الانتقالات من السرد الروائي إلى البحث فجوة لدى القارئ، لأن قارئ الرواية ليس بالضرورة قارئًا للبحث. ومع ذلك، لا أتحدث هنا عن القوالب الفنية أو قوانين ضبط الرواية، لأنني أؤمن بأن الكتابة لا يحتكمها قانون ثابت، وأن القانون الوحيد هو كسب المتلقي وجذبه إلى عوالم الواقع دون إسفاف.
ويبقى السؤال المهم:
هل استطاعت الكاتبة نعمت أبو زيد أن تجعل هذه التحولات — من البحث إلى السرد، ومن السرد إلى التفصيل والشرح والتفسير والتعريف والتناص — تعزز قيمة المنجز الأدبي؟
ربما ذهبت الكاتبة باتجاه قيمة المضمون، وفي طبيعة الحال فإن لقيم المضمون جمالياتها أيضًا. ومن حسنات هذا المنجز أنه رفض القوالب الجامدة والجاهزة، وسعى إلى تقديم مرونة سردية وتعددية في الأصوات وثراء إبداعي، مع تثبيت قضية الهوية وترسيخ الموقف الإنساني في مواجهة قضية كربلاء والإمام الحسين عليه السلام.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!