كيف لكتاب أن يتجلّى إلى الحد الذي يتجاوز فيه حدود الزمن، فيصل إلى المتلقي، ويمتلك مودته، ويجعله يعيش كل حرف فيه بعوالم الروح والقلب والضمير، وكأن الكتاب ليس من ورق، بل من روح؟
الكتاب عبارة عن بحث في الإعلام الحسيني لفضيلة الشيخ ضياء الدين محمد أمين زين الدين. وقد صاغت طبيعة المعالجة البحثية مفهومًا توجيهيًا معبرًا لبلوغ الآفاق المرسومة للإعلام الحسيني المبارك، حين هيّأت أسسه، وأمدّتها بفاعلية النهج القويم.
إنه نسيج خطاب حمل جذور الانتساب الإيماني، وجعل منها معايير إبداعية للتعرف إلى الآفاق المكوّنة لكل منهج، والنظر إلى موقع الإمام الحسين (عليه السلام) من الحجة الإلهية، ثم العودة إلى موقع كربلاء بوصفها موقفًا يشكّل بنية الجوهر، ويصنع دلالات غنية بالمفردات الحداثوية، ضمن أثر مكتنز بالحيوية.
ولا يمكن لهذا الأثر أن يحقق صيرورة التواصل إلا من خلال الوفاء بجميع مستلزمات الانتماء إلى هذا اليقين الذي يشكل العمق الرسالي؛ لكون الحسين جزءًا من الرسول والرسول منه، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): «حسين مني وأنا من حسين».
وقد ورد التأكيد على ذلك في إشراقات السلسلة المطهرة من الأئمة (عليهم السلام). وهنا تكمن حصانة الخطاب الإعلامي الحسيني بوصفه ثقافة مؤثرة أنتجت نظامًا إعلاميًا امتلك قدرات هائلة على صناعة المعنى الأدائي وتوظيفه، عبر كربلاء الهوية التي تُعدّ واحدة من المواقف الأبدية.
إنها تجليات تعدّت الحدود الزمنية، وسمت محققةً القدرة على امتلاك العقول والقلوب والضمائر، ومتجاوزةً الحدود الاجتماعية والثقافية إلى عوالم الأبدية. وقد هيّأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النفوس والعقول لهذه القضية، وأمر من يدرك الواقعة بالنصرة، ضمن خطاب حمل أبعادًا متعددة وحداثوية في معناها الأشمل، موقفًا ومفهومًا، بما يمتلكه من خاصية التوالد النصي والصيغ الموحية والدلالات ذات المحمول القيمي.
يسأل أحدهم الإمام السجاد (عليه السلام) عن الغالب، فيجيبه بما معناه: «إذا أذّن المؤذن تعرف من الغالب».
وهذا ما ينطوي عليه إدراك النص المضمر وما يحمله من تأويل، بوصفه امتدادًا للمبنى المتداخل، عبر بُعدين أساسيين يراهما الباحث: النسل المطهر واستقامة الطريق. ويحتوي هذان البعدان على بنية فاعلة تمنحنا «معنى المعنى» في كل ما يقترن بعملية الانتساب، سواء أكان دراسةً أم إعلامًا أم موقفًا، حتى على مستوى بنية العلاقات الإنسانية.
ويرى الباحث أن الإعلام لا يكون صادقًا في انتسابه الحسيني، ولا يمكنه تحقيق المنجز المأمول، إلا من خلال الالتزام بالمحمول الجذري والأسس التي قام عليها اصطفاء الإمام الحسين (عليه السلام)، وبُنيت عليها مهماته، وارتفعت من أجلها راية كربلاء.
ويضيء النص البحثي بتوقيعات مهمة لا بد من الوقوف عندها؛ فقد عدّ الباحث الحقيقة قضية موضوعية لا تتبع الادعاءات، لأن التأثير إنما يكون للحقيقة وحدها. أما الإعلام الحسيني، فيتطلب صدق الانتساب الذي يمر عبر الالتزام بالعديد من النقاط المهمة التي لا يمكن تجاوزها، أو حتى إيجازها بما يفقدها قيمتها.
وأعتقد أنني أستطيع تسميتها «صيغًا أسلوبية» لا بد أن تستوفي فيها الحجة الإلهية دورها، سواء أكان ذلك في منهج أم أطروحة أم برنامج دراسي أو تبليغي أو علمي أو خطابي، وفي كل ما يتولاه الإعلام من أصول ومناهج وظواهر.
ويجب أن تحفل هذه المسارات بوضوح العقيدة الإسلامية، ومن بينها عقيدة الأمة وإمامة الإمام الحسين (عليه السلام)، لا من حيث تمام أدلتها وثبات موقعها فحسب، بل من حيث وضوح وحدتها مع الكيان الإسلامي، وانتظام جزئياتها مع الخط القرآني العام ومسار نبوة محمد (صلى الله عليه وآله).
وبذلك لا يعسر على الوعي إدراك هذه الوحدة، ولا يستغني أحد أطراف السلسلة المباركة عن الآخر، مع الاحتفاظ بوحدة الكلمة والموقف بوصفها مسؤولية عامة.
ونلاحظ انعتاق الزمن في المفهوم الإسلامي، وعدم الارتكاز على الفئوية الاجتماعية أو المستويات الثقافية بوصفها مرتكزات استيعابية، بل البحث عن خلود الحجة الإلهية، كإرسال النبي محمد (صلى الله عليه وآله) إلى الناس كافة.
وقد سعى البحث إلى الكشف عن مكوّنات الإحالة المشمولة في عملية التعالق، بوصفها بُعدًا إسلاميًا لكل ما ينتسب إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وإلى خط الإسلام.
ويتميز هذا الملخص البحثي بخاصية التكثيف، حتى وصل الأمر إلى تعاشق المقاربات وتشكيل مختصرات اندمج بعضها مع بعض. وتحدث المتن البحثي عن أهمية المتسع السردي المشمول بدائرة الإعلام، وتجاوزه الحدود المعاصرة، سعيًا إلى إحراز البعد العالمي بوصفه صيغة ثابتة ضمن الأطر الولائية المتباينة.
إن تحديد الإعلام الحسيني في أطر معينة وضيقة، وغير مفتوحة الآفاق ومتعددة الاتجاهات، كان له أكبر الأثر في قصور بعض المجتمعات عن إدراك حقيقة الدور الحسيني ومكانة كربلاء الخالدة.
وهذه موازنة في الرأي لا بد من الوقوف عندها؛ لأنها تسعى إلى عدم حصر التفاعل في نمط واحد وترك بقية مناطق الاشتغال مهملة. ولذلك تطرق الباحث إلى ماهية الإنسان، بما يمتلكه من عقل ووجدان وعاطفة ومشاعر وأخلاق.
ويصل الباحث إلى نتيجة حاسمة، مفادها أنه لا ينبغي تحديد قنوات الإعلام بإطار معين على حساب القنوات الأخرى؛ من أجل خلق تنوعات موضوعية تتوزع على المدارك الإنسانية. وهذه حصيلة البيان الموروث من الأئمة (عليهم السلام)، إذ لا يقتصر الخطاب على المرتكز العقلي وحده، ولا على المرتكز الوجداني وحده؛ لأن الشعور يحتاج إلى بنية فكرية تدعم حضوره، ليتمكن الخطاب من استيعاب جميع الرؤى ضمن تدفق واحد ووحدة متكاملة.
❖ كتابات في الميزان ❖
يقدّم المقال قراءة فكرية في بحث الشيخ ضياء الدين محمد أمين زين الدين عن الإعلام الحسيني، بوصفه خطابًا رساليًا يستمد صدقه من الحجة الإلهية والانتساب الواعي إلى نهج الإمام الحسين (عليه السلام). ويؤكد أن عالمية كربلاء تقتضي إعلامًا متنوع القنوات يخاطب العقل والوجدان والعاطفة في بناء متكامل. كما يحذّر من حصر الخطاب الحسيني في نمط واحد؛ لأن ذلك يحدّ من قدرته على بلوغ المجتمعات والثقافات المختلفة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!