كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ليل البنفسج.. صراع المامش بأوجاع الواقع

 

تُشير القراءات السوسيولوجية للواقع العراقي إلى أن موروث الثأر و"الفصل" شكل سلطة موازية للقانون، بناموس جائر غير انساني، يخالف القضاء بالاستناد إلى عرف منبوذ اجتماعيا، ويخالف في جوهره الدين في أطار التعامل الانساني.

 ولتسليط الضوء على هذا الموروث، بدأ صُنّاع الدراما العراقية أخيراً بالخروج من إطار الحكاية التقليدية إلى فضاء "الدراما الرمزية" المستلهمة من الإرث الشعري الوجداني. كما في مسلسل " ليل البنفسج"الذي لم يقف عند استعارة عنوان قصيدة " البنفسج" للشاعر الملتزم مظفر النواب، بل جعل من البنفسج شخصية ورمزاً للجمال والبراءة المهددة.

بيد ان الدراما العراقية بدأت "تتأنْسَن" وتستنير باستعارات النواب لتعبر عن صراع الفئات المهمشة (المامش) ضد القسوة والدم.

"الغربة الداخلية" 

​استلهام بيت النواب الشهير "جانن ثيابي عليّ غربة" وتحويله إلى حالة اغتراب تعيشها الشخصيات المحاصرة بهوياتها وقيودها، يثبت أن الدراما بدأت تغرف من مرارة الانكسار وقسوة الاغتراب التي صاغها النواب، لتشرح واقع المواطن العراقي المحاصر بين مطرقة العرف وسندان المجابهة."

الوجع الفلسفي والسياسي للقصيدة تبدى بصدى الراحل ياس خصر  ك"ترجمة نغمية" لروح القصيدة، وتعزيز لمشاعر الحنين والغربة، مما جعل المشاهد يستشعر عمق الكلمات النوابية في كل مشهد.

النجاح الأهم الذي حققه "ليل البنفسج" هو الجرأة في تحويل نص شعري معقد سياسياً ونخبوياً إلى مادة بصرية شعبية. هذا الفعل بحد ذاته هو "نهل" من الوجدان العراقي لربط جيل الستينيات (جيل الآمال) بجيل اليوم (جيل التخبط)، مما يخلق جسراً ثقافياً نادراً في الدراما المحلية.

 

بنية المسلسل؛ في تصاعد الدراما من الحلقة الاولى "مقتل الاخوين سلام واحمد، فانكسار شمس، وصدمة الأم" ليست مجرد أحداث درامية عابرة، بل هي التجسيد البصري ل "الدم، السلاح، القمع، والجاهلية الحديثة".

 

ان مقتل الأخوين ليس حدثاً قدرياً فحسب، بل هو نتيجة مباشرة لسيادة منطق القوة على منطق العقل وهو ما يحول الفقد من حزن شخصي إلى وجع جماعي ينهل من تاريخ الانكسارات العراقية.

 هنا تتصادم رقة "البنفسج-شمس" مع خشونة الواقع العراقي المرير، عندما يتحول الثأر إلى مهمة واجبة التنفيذ، والدم إلى لغة تواصل وحيدة، لتتشوه ملامح المجتمع بقناع غير متناسق من الهمجية، والعنف، بتقديم البنفسج قربانا لسدنة القتل بعرس الدم.

 

الأم هنا تمثل "العراق" في ذاكرته الموجوعة؛ هي الشاهدة على ضياع الأبناء وانطفاء "البنفسج"... صدمتها ليست ذهولاً لحظياً، بل هي تجسيد لـ "الآمال المنكسرة" التي تربط بين جيل الستينيات وجيل اليوم. 

أصبحت "شمس" هي ذلك "الجسر" الذي يربط خيبات جيل الستينيات بضياع جيل اليوم. صمودها للنهاية هو رسالة بأن "الروح العراقية" التي نحتتها قصائد النواب لا تزال تملك القدرة على التعالي فوق الجراح، مهما بلغت همجية الواقع.

"الروح العراقية"

أثبت المسلسل أن القصيدة العراقية ليست مجرد كلمات تُغنى، بل هي "مخطط هندسي" للروح العراقية يمكن إعادة بنائه درامياً لمواجهة "الجاهلية الحديثة" بالجمال والمقاومة.

 "​ شمس" تهادت كالفنار على شاطئ الوجع" لجيل الستينيات، وامواج تناقضات جيل اليوم. وصمودها للنهاية "رسالة بأن الروح العراقية التي نحتتها قصائد النواب تئتلق.. وإن خبت لاتنطفئ.

"ليل البنفسج" لم يقدّم حلًا للثأر، لكنه عرى منطقه.

 ما ألغى الدم، لكنه كشف قسوته.

 والأهم، أنه ذكّرنا أن الجمال – حتى لو كان بنفسجيًا خافتًا – يظل يرنو للشمس، ويلتحف النور .

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!