عليٌّ طالبٌ جامعيٌّ مُجدٌّ، أحبَّ تخصُّصه، وقد جمعت شخصيَّتُه بين الانغلاق على ذاته وبين الانفتاح على الآخر. وربما كانت الذاتيَّة المفرطة التي يُرى عليها بين أقرانه نتيجةَ إحساسٍ داخليٍّ بضرورة أن يكون شيئًا، وحالةُ الانفتاح على الآخر كانت نتيجةَ إحساسٍ بأن لا سبيل للعيش دونما التفاعل الذي وعى مبكراً أنه حقيقةُ الإنسانيَّة: (الاستئناس بالآخر).
كان لشخصيَّته هذه أثرٌ في أن يكون قطبَ الرحى في صفِّه الدراسي، أو لعلَّه هكذا كان يرى نفسه، إلا أن إحساسه أو تصوُّراته تؤكِّدها حقيقةُ انتخابه (نعم، انتخابه) لمرتين اثنتين بموجب فعاليَّة طلابيَّة كانت تُقام حينها.
في يومٍ من أيام الدراسة الجامعيَّة الروتينيَّة — محاضراتٌ تتبعها استراحات — قدَّم أحد الأساتذة شرحاً موفوراً للمادة العلميَّة، وآخر انتقل بطلبته يدور بهم على بساط الريح بين مجاهيل الخرائب والتلال وكِسَرِ الفخار. ومن طلبته من اعتراه النعاس، وآخرون كانوا يسألون أنفسهم عمَّا إذا كان سيأتي يومٌ يستطيعون هم فيه الحديثَ كما أستاذهم الذي اعتلى بهم ببساط الريح. وكان عليٌّ من بينهم، إن لم يكن الوحيدَ بينهم، ممَّن راود مخيِّلته هذا التساؤل.
عكَّر صفوَ الانغلاق الذاتي المشبوب بالانفتاح المقيَّد عند عليٍّ حادثةٌ لم تخطر على باله، بل لم يكن هو طرفاً فيها:
– عليٌّ!!
– نعم، دكتور.
– غداً ستكون شاهداً على ما وقع عليَّ من تَجَنٍّ؟!
شاهدٌ على الواقعة؟! فهو ممَّن كان حاضراً، ولم يكن قد تغيب طيلة دراسته الجامعيَّة الماضية عن أيِّ محاضرةٍ بالمطلق.
– بابا علي!
هكذا ناداه والده، وقد رأى أن ولده لاحت على محيَّاه حالةٌ تجمع بين الترقُّب والحيرة والاضطراب، أبعدته عن النوم ليلتَها. كيف لا، ومن طلب للشهادة له أستاذُه، ومن سيُشهد عليهما زميلٌ له وزميلة؟
– تَغَيَّبْ! فأنت لم تتغيب من قبل أبداً.
هذا ما كان عليه رأيُ أبيه للخروج من هذا المأزق، وهذا الشَّرَك الذي سيضعه موضعَ كره زميليه اللذين سيشهد عليهما، بل سيضعه موضعَ كره زملائه الآخرين في الصف.
وسط هول المشهد — مجموعةُ أساتذةٍ يتوسطهم، بل يرأسهم، عميدُ الكليَّة التي يدرس فيها — تلك الشخصيَّة التي تتراقص أغصان الأشجار عند مروره من عندها خشيةً، لقوَّة شخصيَّته التي يخال المرء بوجوده أنه في حضرة قائدٍ عسكريٍّ ملأت حكاياتُ فتوحاته مجلَّداتِ التاريخ — كان عليٌّ، حيث خالف مشورة أبيه، حاضراً يسرد برباطة جأش ما قد رآه، لا غير.
– ولدي علي! بابُ مكتبي مفتوحٌ لك؛ ادخل بلا استئذان ما أن تجد نفسك بحاجةٍ إلى ذلك.
هكذا انطلقت الكلمات من فمه، وقد زاملت موجاتُ صوته المرسلةَ بريقَ عينٍ تجمع بين قوَّة المحيَّا وتحيَّة شجاعٍ وجد في من يحدِّثه شجاعةً، بل تخالها تحيَّةً عسكريَّةً تصدر من رئيسٍ لمرؤوسه في واحدةٍ من غرائب التاريخ التي لم تبخل عن ذكرها المصنَّفات التاريخيَّة.
إلا أن عليًّا كان درسُه الذي تعلَّمه، إضافةً إلى ما علَّمته إيَّاه كتبُ التاريخ، أن الأمثال تصدق أحياناً، ومن بينها:
"اتَّقِ شرَّ من أحسنتَ إليه"؛
فهي — أي الأمثال — كالتاريخ: إن تحققت المقدِّمات أعطت ذاتَ النتائج.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!