ثمة فندق متهرئ أفنت جدرانه السنين يقابل نهر دجلة في جزئه الذي شيدت عليه سدته الأروائية الخالدة التي يطيب لأهل الكوت تسميتها مفردةً بـ"السدة", شرفة هذا الفندق التي تطل على النهر وسدته كان منال الأخوين (ماهر و طه) ليكون مقهى صيفي بالدرجة الاساس طيلة فترة التسعينيات من القرن الماضي لغرض التكسب في ظل أنين الحصار القاسي.
في هذا المقهى ونحن نتأمل رقعة الشطرنج التي أمامنا هذا يحرك فيها جندياً وذاك يلوذ بملكه خوفاً من يصرخ المقابل بوجه (كش مات الملك) كانت حكاية الجيوب شبه الجافة تسمعنا إلى جانب صوت خرير ماء السدة أنين المرحوم داخل حسن في (لا لا له), في حين -وهذا من الأمور الغريبة- كان صوت المرحوم أبو مازن (ياس خضر) يسهم في تقطيع أوصال حزننا بـ(يا حسافة) الذي يصدح به جهاز التسجيل الصوتي العائد لهذه المقهى.
كان السكون على الرغم من صوت داخل الافتراضي وصوت أبو مازن المنطلق من جهاز التسجيل هائلاً إلا من أفكارٍ تتلو أفكار في رؤوسنا تجري مجرى ماء النهر, تتكسر أمام صوت اصطكاك (الاستكانات) أو علو صوت الزميل المتأخر عن سهرتنا حين القائه التحية (السلام عليكم) لنعود إلى سابق عهدنا كما كنا قبل أن نستمع إلى أحد الصوتين.
نجلس حالمين بالخلاص الإلهي الذي لم يتسنى لفوهات البنادق تحقيقه سنة (1991م), لا نهاية لحلم اليقظة لجلاس هذه المقهى إلا بانقضاء ساعات دوامها, وليسرع الجميع إلى بيوتهم تخلصاً من وجع الأحلام.
مقهى السدة كان متنفساً للبوح بالأفكار همساً بين رواده التي يعدُها الطغاة أحاديث سياسية تمس عهرهم السياسي الذي بلغوه, فكانت "مقهى السدة" والحال هذه مقهى سياسي وإن لم تصنف بذاك من قبل الجلاد.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!