كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

على أعتاب المونديال، الكرة العراقية تفرط بربان سفينتها

 يفتقد اتحاد كرة القدم العراقي اليوم رئيسه السابق عدنان درجال، الذي سيترك غيابه أثراً واضحاً في قلوب جماهير الكرة، في مقابل ارتياحٍ لدى الأطراف التي فضّلت إدارة الموقف عبر قنوات التوافق والاصطفافات الداخلية، مستثمرة ثقل الهيئة العامة للاتحاد لإعادة رسم خارطة النفوذ الإداري.

درجال، الذي حظي بتأييد جماهيري واسع مستنداً إلى رؤية طموحة، عمل جاداً على نقل الكرة العراقية من دائرة التخبط والعشوائية إلى واقع جديد يرتكز على التنظيم العالي، والتحديث، بإنجازات لم تك قطعا مجرد تقديرات عاطفية، بل وقائع ترجمتها لغة الأرقام؛ فالمنتخب العراقي نجح في التقدم للمركز السابع والخمسين عالمياً، والسابع آسيوياً، والسادس عربياً، متوجاً هذا المسار بالتأهل التاريخي لكأس العالم 2026 بعد غيابٍ امتد أربعين عاماً. وقد أسهم في هذه الطفرة النوعية استقطاب عددٍ كبير من اللاعبين المحترفين من أصول عراقية، ضمن رؤية استراتيجية نجح درجال في إدارتها وتوظيفها لخدمة القميص الوطني.
 
سؤال محوري: هل ما جرى في اتحاد الكرة هو انعكاس بنيوي للواقع السياسي العام في العراق؟
الوقائع الإدارية تشير إلى أن يونس محمود، نائب درجال السابق والذي تبنى خطاً معارضاً لسياساته، تمكن من بناء كتلة معارضة داخل الهيئة العامة ضمت أغلب الأعضاء الحاليين، مما أدى إلى تغيير ميزان القوى وإزاحة الرئيس الذي قاد دفة الوصول إلى المونديال. كما أن انزياح ثلثي الهيئة العامة له يعكس بوضوح آليات التحالف وتوزيع الأدوار، في مشهدٍ يقترب كثيراً من أدبيات تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب المألوفة في المشهد العام.
وجاء التصريح المقتضب لدرجال عقب إزاحته، والذي حمل أبعاداً سياسية واضحة، مستبطنا معنى يقول بعمق الروابط والتفاهمات الخارجية التي وجهت بوصلة التصويت، ومؤكداً أن صندوق الاقتراع الرياضي لم يكن منفصلاً عن التوافقات السياسية، وان الفريق السياسي سجل هدفا في الوقت بدل الضائع في المستطيل الاخضر.
ويعني كل ذلك للمراقب؛ هيمنة التوازنات الحزبية والسياسية، ومحاولتها إسقاط حساباتها على مؤسسات أو منظمات ذات طابع خاص ومميز مثل اتحاد كرة القدم.
 
فماذا ينتظر الكرة العراقية؟
المؤشرات الحالية تفتح الباب أمام احتمالات مقلقة. فإعلان درجال نيته اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضية الدولية (CAS) للطعن في شرعية الإجراءات الانتخابية، وفي حال ثبوت وجود تدخلات سياسية موثقة، قد يضع الملف بأكمله أمام الاتحاد الدولي (FIFA). ومن المعروف أن الفيفا يتعامل بصرامة شديدة مع ملف استقلالية الاتحادات، مما قد يهدد بعقوبات تصل إلى تعليق العضوية؛ وهي مفارقة مؤلمة وكارثة رياضية قد يدفع ثمنها الجمهور الوفي الذي يجد نفسه دائماً خارج حسابات هذه الصراعات.
المفارقة الكبرى أن العراق يعيش اليوم إحدى أزهى فتراته الكروية منذ أربعين عاماً، وفي الوقت ذاته يشهد تجميد دور الرجل الذي قاد هذا التحول، وكأن قَدَر الرياضة في هذا البلد أن تصنع الطموحات الكبيرة، لتتقاذفها لاحقاً أمواج مرج آخر.
ثمة سؤال يفرضه الواقع الحالي .. يخاطب ضمير كل من صوّت ذلك اليوم: حين يجلس العراق على مقاعد كأس العالم للمرة الأولى منذ أربعين عاماً، وترتفع رايته ببن 48 راية اخرى في ملاعب العالم، هل سيتذكر أحدهم أن الرجل الذي أوصله إلى تلك اللحظة ... يجلس في تلك اللحظة بعيداً، منزوع الصلاحيات، خارج الصورة؟ 
التاريخ لا يرحم، وذاكرة الجماهير أطول من حسابات اللحظة...وما بُني على حساب الإنجاز لن يصمد أمام سؤال الأجيال القادمة حين تقرأ سطور هذه المرحلة وتتساءل: من أوصلنا إلى هناك، ومن أُقصي قبل أن يرى ثمرة ما زرع؟
الكرة تدور، والأيام تكشف ما تخفيه الأروقة.
وللجماهير في نهاية المطاف كلمة وقول فصل ناجز

درجال.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!