كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

عبور الجدار العازل بين الابداع والحقيقة

​يُعد الخوف واحداً من أخطر المعوقات التي تواجه العقل المبدع؛ ليس لانه شعوراً غريزياً بالحذر فحسب... بل لأنه يتحول في كثير من الأحيان إلى "منظومة ثقافية" تفرضها الظروف السياسية أو الاجتماعية، لتصبح جداراً عازلاً بين المبدع وبين الحقيقة.
​ويتجلى هذا بوضوح في التاريخ العراقي المعاصر، وتحديداً في ظل نظام حكم البعث البائد
لم يكن.. وقتذاك.. الخوف مجرد هاجس، بل كان هيكلاً قانونياً وأمنياً باطشاً. سُنّت وفقه قوانين تجرّم كل كاتب يتناول سلبيات النظام، واعتُبر النقد "تهجماً" يستوجب أقصى العقوبات. وكان من أبرز ضحايا هذا الاستبداد قامات أدبية كبرى بالداخل والخارج، منها من اختار المنفى مرغما لينجو بكلمته، مثل الجواهري ومظفر النواب، إضافة إلى عدد كبير من كتاب ومثقفي وفناني الأحزاب المعارضة سرا وعلانية، الذين تشتتوا في منافي الأرض.
​أما في الداخل، فقد دار "دولاب الدم" ليحصد أرواح المئات من المبدعين، اضافة الى قامات اجتماعية، علمية، فنية، عسكرية واجهت أحكاماً قاسية تراوحت بين الإعدام والمؤبد والسجون لمدد متباينة، وكان كاتب هذه السطور واحداً من هؤلاء الذين دفعوا ضريبة الكلمة والموقف من حياتهم وحريتهم خلف القضبان.
​تحت هذا الضغط الرهيب، تشكلت ملامح الإبداع العراقي وفق أبعاد...
 
​▪︎ الرقابة الذاتية: "المقصلة الداخلية"
​عندما تسود ثقافة الخوف، يضطر المبدع إلى ممارسة الرقابة الذاتية كآلية دفاعية غريزية. هذا النوع من الرقابة يقتل الفكرة قبل ولادتها، ويجعل الكاتب يدور في فلك المسموح خوفاً من الوشاية أو التأويل الأمني لنصوصه. بالنسبة لمن اختبر زنازين النظام، كانت الكلمة تخرج مخضبة بالقلق، لأن ثمن الخطأ لم يكن نقداً أدبياً، بل كان "حكماً بالعدم".
 
​▪︎ الهروب إلى الرمزية المفرطة والاختباء
​لجأ المبدع العراقي إلى الرمزية والغموض كوسيلة للاختباء وتمرير الرسائل بين السطور. استُخدمت الأساطير والتاريخ كأقنعة لإدانة الحاضر. ورغم أن هذا أنتج أدباً رفيعاً، إلا أنه كان يعكس حجم الرعب الكامن في الصدور وقدرة المبدع على ابتكار طرق للبقاء دون التفريط في جوهر الحقيقة.
 
​▪︎ تكسير القيود وتحويل الخوف إلى وقود
​المبدع الحقيقي، خاصة من ذاق مرارة السجن والاضطهاد، هو من يحاول تكسير هذه القيود. لقد تحول الخوف لدى الكثيرين من عائق إلى وقود للمواجهة والتشخيص. فالأدب الذي يخرج من رحم المعاناة والزنازين يمتلك شرعية كبرى، لأنه لم يهادن ولم يساوم على الأمانة.
 
​▪︎ أثر القمع على "كيف يُكتب" النص
​الخوف لم يحدد فقط المواضيع التي نكتبها، بل أثر على بنية اللغة ذاتها؛ فأصبحت لغة مشحونة، متوترة، ومليئة بالإسقاطات. إن تجربة الاعتقال والتهديد الدائم جعلت من الكتابة "فعل مقاومة" يومي، حيث تصبح النجاة بالنص موازية للنجاة بالحياة.
 
​▪︎ الكلمة... امانة لا تقبل المساومة
​إن تحرير الإبداع بدأ فعلياً من أولئك الذين رفضوا الصمت رغم فداحة الثمن. المبدع الذي واجه "دولاب الدم" وآلات القمع يدرك أكثر من غيره أن الكلمة هي الأمانة الوحيدة التي لا تقبل المساومة. لذا، يظل الأدب الذي يهز السواكن ويطرح الأسئلة الصعبة هو الأبقى، لأن قيمة العمل الفني تكمن في قدرته على اختراق جدار الصمت الذي بنته سنوات القهر، وتحويل جراح الماضي إلى منارات للوعي والحرية.

الابداع.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!