كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الوطن أولاً: رسالةٌ إلى حكماءِ القومِ

الوطن أولاً: رسالةٌ إلى حكماءِ القومِ

 تتسارعَ وتيرةَ الأحداث، وتتلاحقَ نشراتُ الأخبارِ العاجلةِ في منطقتنا ، التي اصطلحَ على تسميتها بـــ (الشرقُ الأوسطُ ) ، في مشهدٍ ينذرُ بانزلاقٍ خطيرٍ نحوَ حريقٍ إقليميٍ واسع، قدْ يشعلُ فتيلهُ ما يمكنُ وصفهُ بـــ (نيرونْ العصرِ الحديث) ، وتساقُ لهذا التصعيدِ ذرائعَ متعددة، تنسج في مخيلةِ صناعِ القرارِ الأمريكي، بينما لا يخفى على أحدِ السببِ الجوهريِ الكامنِ خلفها، والمتمثلَ في ضمانِ حمايةٍ (الولايةُ الحاديةُ والخمسين) المزروعةِ كسكينةِ خاصرة في منطقتنا (الكيانُ الصهيونيُ ) ، وذلكَ على حسابِ ما يزيدُ على مليارينِ وأربعمائةِ مليونِ مسلم، بالاستنادِ إلى القوةِ العسكريةِ الغاشمة، وتمويل مشبوهٍ يضخُ في اقتصادِ الحروبِ وتجارةِ الدم. 
   وتكمنَ المفارقةُ الصارخةُ، في أنَ هذهِ السياساتِ تصدرُ عنْ دولةٍ كبرى وحديثةٍ التأريخ، دأبتْ على مدى أكثرَ منْ قرنينِ منْ الزمن، في الترويجِ لشعاراتِ حقوقِ الإنسان، والحرياتُ العامة، ومبدأُ عدمِ التدخلِ في شؤونِ الدول. في حينِ أنَ تاريخها، ارتكزَ على إبادةِ السكانِ الأصليينَ واستغلالِ العمالةِ المستعبدةِ لبنائها. 
  أن الواقعُ المعاصر، يفضحَ بوضوحِ زيفَ تلكَ الشعاراتِ المزينةِ بالديمقراطية، منْ خلالِ تدخلاتٍ فجةٍ ومتكررةٍ في شؤونِ الدولِ ذاتِ السيادة، تأخذَ أشكال متعددة، بدأَ منْ الاحتلالِ العسكريِ والتهجيرِ القسريِ والقتلِ المنهجي، وصولاً إلى فرضِ العقوباتِ الاقتصاديةِ التي تسوقُ تحتَ غطاءِ قانونيٍ وإنساني، بينما تستخدمُ في حقيقتها كأدواتٍ للهيمنةِ والإخضاعِ السياسي.
  لقدْ أضحى ما يسمى اليومَ بـــ (العالمُ الجديد) يدارُ بيدٍ واحدةٍ تحتكرُ القرارَ وتقبضُ على مفاصلِ القوى كافة، في غيابِ شبهٍ تامٍ لأيِ توازنٍ دوليٍ حقيقي، وفي مواجهتها، لا نرى سوى أيدَ واهنة، مثقلةً بالمجاملاتِ الزائفةِ والخطاباتِ الجوفاءِ عنْ القانونِ الدوليِ وحقوقِ الإنسان، بينما الحقيقةُ الصارخةُ أنَ الجميعَ يكتفي بالقول: (يا روحي ) ، دونُ فعلٌ أوْ موقف.
   أما انتهاكُ سيادةِ الدولِ واحتلالها خارجَ إطارِ القوانينِ الدولية، فشواهدهُ أكثرُ منْ أنْ تحصى، بدأَ منْ فيتنام وأفغانستان، مرورا بالصومالِ والعراقِ وسوريا وليبيا والسودان، وصولاً إلى كوبا وفنزويلا، والقائمةُ لا تنتهي، بلْ تمتدُ حتى جزرِ غرينلاندْ التابعةِ للدنمارك.
   أمامَ هذا المشهد المرعب، تفرضَ نفسها جملةً منْ التساؤلاتِ المصيرية، وفي مقدمتها السؤالَ الموجهَ إلى حكماءَ العراقِ وساسته: ما العملُ في هذهِ المرحلةِ الحرجة؟ هلْ نغضُ الطرف، كمنَ يدفنُ رأسهُ في الرمال؟ هلْ نكتفي ببياناتِ الشجبِ والاستنكار؟ أمْ نقاومُ بإطلاقِ بضعِ قذائفَ هاونْ أوْ رصاصاتٍ طائشةٍ على أهدافٍ مدنيةٍ تعودُ لطرفٍ لا يستهدفنا اليومَ بصورةٍ مباشرة؟ أمْ أنَ واجبنا الحقيقيَ يقتضي أنْ نمعنَ النظرُ في مستقبلٍ وحياةٍ (ستةُ وأربعينَ مليونا) مواطن، لنخططْ بوعيٍ ومسؤوليةٍ لكيفيةِ حمايتهمْ منْ فوضى الرصاصِ الطائش، وتأمينَ لقمةِ العيش، والدواءُ لمرضاهم، وكرامةُ الحياةِ لأبنائهم. 
  لقدْ ولى زمنُ الشعاراتِ الرنانةِ التي رددناها لأكثرَ منْ نصفِ قرن، ولمْ نحصدْ منها سوى الانقسامِ والتشرذم، فيما سلبتْ أرضنا، واستبيحَ شعبنا بالقتلِ على أيدي المجرمين، عبرَ سنواتٍ طويلةٍ منْ الألمِ والخذلان. إنَ الحكمةَ والعقلَ يقتضيان، ألا نندفعَ نحوُ قراراتٍ متعجلة، قدْ تتركُ آثارا سلبيةً عميقةً على مصيرِ شعبنا، بلْ إنَ نتعاملَ بميزانٍ دقيقٍ وموقفٍ متزن. فأرضنا، الممتدةَ منْ أعلاها إلى أدناها، مكشوفةً وضعيفة، وتحتاجَ اليومَ أكثرَ منْ أيِ وقتٍ مضى إلى الحمايةِ والرعاية. وهذا القرارُ المصيريُ لا يقعُ على عاتقنا وحدنا، بلْ يتطلبُ عونا خارجيا، وهنا، الحقيقةُ القاسيةُ والمرةُ التي لا يمكنُ تجاهلها؛ إذْ، إنَ مفاتيحَ الحمايةِ الفعليةِ ما تزالُ بيدٍ ( نيرونْ الجديدَ ) ، ذاكَ الذي خلصنا منْ دكتاتورية نظامنا الدمويَ السابق، الذي تيتمَ على يديهِ الأطفالَ وترملتْ النساءُ نتيجةَ طيشهِ وسياستهِ الرعناء، وإقصائهِ لأصواتِ العقلِ والحكمة. 
  ويا للأسى، فرحةٌ لمْ يكتبْ لها الاستمرار، إذْ ما لبثَ أنْ أغرقَ بلدنا بالفسادِ والإرهابِ والمخدرات، وغيرها منْ جرائمِ العصر، وزرعَ بيننا الفرقةُ والفتنة، فتحولنا منْ إخوةٍ متكاتفينَ إلى جماعاتٍ متناحرة، تتوزعَ بينَ قومياتٍ وأديانٍ وطوائف، حتى في ومؤسساتِ دولتنا، لتحلّ بديلاً عنْ الخبرةِ والكفاءة، حتى باتَ في كلِ حارةِ خصمٍ أوْ عدوٍ أوْ منافسٍ لحارةٍ أخرى. 
هنا أضعُ نقطةُ الختام، وأتركُ القرارَ لأهله. فقدٌ أرهقتنا الصراعاتُ العبثيةُ على كراسيِ الحكم، واستنزفتْ طاقاتُ الوطنِ وأحلامِ أبنائه. لقدْ آنَ الأوانُ أنْ تتجهَ الأنظارُ نحوَ المستقبل، وأنْ تطوى صفحةُ الماضي، ليفسح المجالُ لوجوهِ شابةٍ جديدة، واعيةً ومثقفة، بقلوبِ نقيةٍ لا تعرفُ الحقدَ ولا الضغينة، ولا ترى أمامها إلا عراقا واحدا، موحدا، يمتدَ منْ شمالهِ إلى جنوبه.
فلنطوي صفحاتُ الأمس، ولنكنْ أبناءُ اليومِ والغدِ لنتشبث بالقلمِ والحاسوب، وبالطبِ والهندسة والذكاءِ الاصطناعي. ولنترك الموائد المترفةِ الطويلة، والشعاراتُ الصاخبة، والراياتُ الملونةُ ذاتُ المضامينِ الفارغة، ولنستبدلها بمفردةٍ واحدةٍ جامعةِ حيٍ على البناء. . . ولنصغي قليلاً إلى قولهِ تعالى: ( وقلَ اعملوا فسيرى اللهُ عملكمْ ورسولهُ والمؤمنين) صدقَ اللهُ العظيم. التوبة: 105.

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!