قال الله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
من المشهد الخدمي إلى الرؤية الحضرية
تخيّل جدارًا كونكريتيًا يحجب عنك زرقة النهر، أو زحامًا خانقًا يخنق أنفاس زقاق تراثي قديم؛ هذا المشهد البصري هو المفارقة الحية التي تدفعنا إلى تأمل واقع عاصمتنا.
تضطلع أمانة بغداد بمسؤوليات واسعة تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن؛ من تعبيد الطرق ورفع النفايات إلى صيانة البنى التحتية والعناية بالمشهد الحضري. وهي مهام جسيمة لا يختلف اثنان على ثقلها، غير أن قيمة العمل الخدمي لا تُقاس بحجم الواجبات، وإنما بما تتركه من أثر ملموس يعيد إلى وجه بغداد تنظيمها وجمالها.
وبغداد، بما تحمله من إرث عريق، تستحق أن تظهر بصورة تليق بمكانتها. ومع أن السنوات الماضية شهدت حراكًا خدميًا، فإن الحاجة ما زالت قائمة إلى رؤية عمرانية أكثر شمولًا، تنتقل بالعاصمة من معالجة الأزمات الطارئة إلى بناء مشروع حضري متكامل، تتناغم فيه الخدمات مع الهوية التراثية للمدينة.
دجلة بوابة استعادة بغداد
لعل نهر دجلة يمثل أبرز الميادين التي يجب أن تنطلق منها هذه الرؤية؛ فبغداد، بكرخها ورصافتها، ارتبط وجودها بهذا النهر ارتباطًا وثيقًا لا ينفصل عن وجدان أهلها.
غير أن أجزاء واسعة من ضفافه تعرضت، على مدى عقود، إلى أنماط مختلفة من التجاوز والاستغلال، فأقيمت عليها منشآت منعت المواطنين من الوصول إليه والاستمتاع بمشهده.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع طموح لإحياء واجهات دجلة النهرية، لا يقتصر على تحسين مقاطع متفرقة، بل يقوم على رؤية تعيد تنظيم فضاءات النهر، وتوفر الأرصفة الفسيحة والإنارة الجمالية والمساحات الخضراء، بما يجعل الضفاف متنفسًا حضاريًا مفتوحًا.
إن مثل هذا المنجز سيعيد وصل ما انقطع بين البغدادي ونهره، ويخلق بيئة حيوية للنشاط الاجتماعي والثقافي.
الصدرية وذاكرة بغداد الشعبية
لا ينبغي أن تنحصر جهود التطوير في الشوارع الرئيسة وحدها؛ فهناك أحياء قديمة تحمل روح بغداد الأصيلة، وفي مقدمتها منطقة الصدرية.
إن إعادة النظر في واقعها الخدمي، عبر تنظيم طرقها وتحسين واجهات أبنيتها والارتقاء بمرافقها الشعبية، كفيلة بتحويلها إلى مقصد سياحي يستقطب الباحثين عن نبض الماضي الحي.
ومن الأفكار الجديرة بالدراسة هنا تنظيم حركة المركبات في بعض أزقتها التراثية خلال ساعات الليل، وإتاحتها للمشاة، بما يخفف من الضوضاء والتلوث، ويمنح المكان فرصة ليتنفس بصفاء.
إزالة التجاوزات مسؤولية حكومية مشتركة
بيد أن تحقيق هذه التطلعات لا يمكن أن يقع على عاتق أمانة بغداد بمفردها؛ فملفات كبرى، مثل إزالة التجاوزات على الأملاك العامة، تتجاوز قدرة العمل الإداري التقليدي، وتتطلب قرارًا حكوميًا صارمًا وتنسيقًا عالي المستوى بين الأمانة والجهات الأمنية، لتطبيق القانون وحماية المشاريع العامة من الاستغلال.
إن الإسناد الحقيقي للأمانة من أعلى سلطة تنفيذية هو المحرك الأساس لتحويل الخطط الورقية إلى واقع ملموس.
المواطن شريك في حماية المنجز
على الضفة الأخرى من المعادلة، لا يمكن لهذه الرؤية أن تكتمل أو تستمر من دون وعي مجتمعي حقيقي؛ فالمواطن البغدادي شريك أصيل في صناعة هذا التحول، وحماية المنجز من العبث أو التشويه مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الجميع.
فالقوانين الصارمة تبني النظام، لكن السلوك الواعي للمجتمع هو الذي يمنح المدينة روحها واستدامتها.
بغداد لا تحتاج إلى رتوش عابرة
إن عاصمتنا لا تحتاج إلى رتوش عابرة، بل إلى استراتيجية عمرانية متكاملة تجمع بين تطوير الخدمة وصون الموروث، وبين مسؤولية السلطة وسلوك المجتمع.
وما نطالب به ليس ترفًا يمكن إرجاؤه، بل هو حق مشروع لبغداد وأهلها؛ فالمدينة التي كانت يومًا منارة للعلم جديرة اليوم بأن تستعيد نضارتها، وأن يعود دجلة ملكًا للجميع، وتسترد أحياؤها القديمة عافيتها.
تلك هي بغداد التي ننشدها؛ مدينة لا تكتفي بالاتكاء على تاريخها العظيم، بل تنهض بحاضرها لتصنع عمرًا جديدًا يليق بذلك التاريخ، وتورّث الأجيال القادمة عاصمة تنبض بالجمال والنظام والحياة.
❖ كتابات في الميزان ❖
يطرح المقال رؤية عمرانية تنطلق من تحرير واجهات دجلة وتطوير منطقة الصدرية بوصفهما مدخلين لاستعادة هوية بغداد وجمالها الحضري. ويربط نجاح المشاريع الخدمية بوجود قرار حكومي قادر على إزالة التجاوزات، وتنسيق مؤسسي يحمي الأملاك العامة. كما يؤكد أن التنمية المستدامة لا تتحقق بجهد السلطة وحدها، بل تحتاج إلى مواطن واعٍ يحافظ على المنجز ويصون ذاكرة المدينة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!