كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

عقدةُ الذنبِ البريطانيةُ … فلسطين أنموذجا 

تتوالى، في الآونة الأخيرة، المواقف والتصريحات البريطانية بشأن فلسطين ودويلة إسرائيل بصورة تستحق التوقف والتأمل؛ فبريطانيا، التي كانت قبل أكثر من قرن أحد أبرز الأطراف التي أسهمت في رسم الطريق السياسي للقضية الفلسطينية، تبدو اليوم أكثر إدراكًا لخطورة استمرار الصراع، وأكثر انتقادًا لسياسات الاستيطان والتهجير وانتهاك الحقوق الفلسطينية.

لعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل هي صحوة سياسية؟ أم صحوة ضمير؟ أم إنها، في جانب منها، عقدة ذنب تاريخية ما زالت بريطانيا تحمل آثارها؟

وعد بلفور وبداية التحولات

في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917، صدر ما عُرف بـ«وعد بلفور»، أو ما يسميه العرب والمسلمون «الوعد المشؤوم»، حين أعلنت الحكومة البريطانية آنذاك أنها تنظر بعين العطف إلى إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، مع النص، في الوقت نفسه، على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة فيها.

لقد كانت تلك الكلمات، على الرغم من قصرها، بداية لتحولات تاريخية عميقة في المنطقة.

ارتبط الوعد لاحقًا بالانتداب البريطاني على فلسطين، وبمرحلة سياسية واجتماعية معقدة انتهت بقيام دويلة إسرائيل عام 1948، وما رافق ذلك من حرب وتهجير واسع للفلسطينيين. ثم توالت الحروب والأزمات والاحتلال والاستيطان؛ لتبقى القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا استعصاءً على الحل في النظام الدولي.

ولا يمكن، بطبيعة الحال، تحميل وعد بلفور وحده مسؤولية كل ما جرى خلال أكثر من قرن؛ فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في وثيقة واحدة.

مسؤولية بريطانيا التاريخية

لا يمكن أيضًا تجاهل الدور البريطاني التاريخي في تأسيس الإطار السياسي الذي أسهم في تشكيل مستقبل فلسطين.

واللافت أن بريطانيا نفسها تعترف اليوم بأن الوعد كان حدثًا ذا حساسية تاريخية، وتؤكد في خطابها الرسمي دعمها لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب دويلة إسرائيل.

هنا تبدأ المفارقة؛ فالدولة التي أسهمت، قبل أكثر من مئة عام، في فتح الباب أمام مشروع «الوطن القومي اليهودي» في فلسطين، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف تمامًا؛ واقع لم تعد فيه القضية مجرد خلاف بين دولتين أو نزاع حدودي يمكن تأجيله، وإنما قضية إنسانية وسياسية وقانونية أصبحت آثارها تتجاوز حدود فلسطين والمنطقة.

موقف بريطاني أكثر حدة

في 8 أيلول/سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، أمام مجلس العموم موقفًا شديد اللهجة تجاه الوضع في فلسطين، مؤكدًا أن استمرار الاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية.

كما أعلنت بريطانيا، بالتنسيق مع دول أخرى، إجراءات تستهدف تجارة منتجات المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي.

وهذه اللغة الجديدة ليست تفصيلًا عابرًا؛ إذ إن بريطانيا لا تتحدث اليوم عن فلسطين من موقع المتفرج البعيد، وإنما من موقع دولة لها تاريخ طويل في القضية. ولهذا، فإن كل تحول في خطابها يحمل دلالة سياسية تتجاوز التصريح ذاته.

عقدة ذنب أم مراجعة سياسية؟

هل يمكن أن نطلق على ذلك «عقدة الذنب»؟ ربما يكون التعبير سياسيًا وأخلاقيًا أكثر منه قانونيًا، لكنه ليس بلا معنى؛ فالدول، مثل الأفراد، قد تعود بعد عقود طويلة إلى مراجعة بعض مواقفها عندما تكتشف أن نتائج قرارات الماضي لم تكن كما توقعت.

كانت بريطانيا، في مطلع القرن العشرين، تتصور أنها تستطيع صناعة توازن جديد في الشرق الأوسط، وربما اعتقدت أن إنشاء وطن قومي لليهود يمكن أن يتعايش مع حقوق السكان العرب الفلسطينيين.

لكن التاريخ أثبت أن تجاهل إرادة أصحاب الأرض، أو عدم توفير ضمانات حقيقية لحقوقهم، لا يمكن أن يصنع سلامًا دائمًا.

والأكثر أهمية أن دويلة إسرائيل، التي نشأت في بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، أصبحت بعد عقود دولة قوية عسكريًا واقتصاديًا، لكنها لم تستطع إنهاء القضية الفلسطينية.

القضية الفلسطينية في الوعي العالمي

إن استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير والحروب جعل القضية أكثر حضورًا في الوعي العالمي.

واليوم، يبدو أن بريطانيا بدأت تدرك أن استمرار الوضع القائم ليس في مصلحة الفلسطينيين وحدهم، ولا في مصلحة الإسرائيليين وحدهم، بل يهدد استقرار المنطقة بأسرها.

لكن السؤال الأكبر يبقى: هل تكفي البيانات والتصريحات؟ الجواب بالتأكيد: لا.

من التصريحات إلى الفعل

إن التاريخ لا يُصحَّح بالتصريحات وحدها، والعدالة لا تتحقق بالبيانات الدبلوماسية فقط.

وإذا كانت بريطانيا تريد فعلًا أن تتعامل مع إرثها التاريخي في فلسطين، فإن عليها أن تنتقل من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة التأثير السياسي والقانوني الحقيقي، وأن تدعم بصورة عملية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتعمل على وقف الاستيطان واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين والضغط من أجل حل سياسي عادل.

إن الاعتراف بالخطأ، إن وُجد، لا يكون بمجرد الشعور بالذنب، وإنما بمحاولة إصلاح نتائجه.

فلسطين تختبر مراجعة بريطانيا لتاريخها

تمثل فلسطين اليوم واحدة من أبرز الحالات التي تختبر فيها بريطانيا قدرتها على مراجعة تاريخها؛ فالوعد الذي كُتب عام 1917 لم يكن مجرد رسالة عابرة، بل كان وثيقة سياسية تركت آثارًا امتدت لأجيال.

وإذا كانت بريطانيا قد أسهمت في صناعة جزء من هذا التاريخ، فإن مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تقتضي أن تسهم أيضًا في صناعة نهايته العادلة.

لقد مضى أكثر من قرن على وعد بلفور، وما زال الشعب الفلسطيني يبحث عن وطن آمن، ودولة مستقلة، وحقوق لا تحتاج إلى بيانات دولية كي تثبت وجودها.

ربما يكون الدرس الأهم أن التاريخ لا ينسى من يصنع القرارات، ولا ينسى من يدفع ثمنها. فإذا كانت بريطانيا اليوم تعيد النظر في بعض مواقفها تجاه فلسطين، فالسؤال ليس فقط: لماذا تغيّر الموقف البريطاني؟ بل السؤال الأعمق: هل بدأت بريطانيا تراجع تاريخها في فلسطين، أم إن التاريخ نفسه بدأ يراجع بريطانيا؟

❖ كتابات في الميزان ❖ 

يربط المقال بين التحول الراهن في الموقف البريطاني تجاه الاحتلال والاستيطان وبين المسؤولية التاريخية التي رتبها وعد بلفور والانتداب على فلسطين. ويتساءل عما إذا كانت السياسة الجديدة تمثل صحوة ضمير أم مراجعة واقعية لنتائج قرارات الماضي. ويؤكد أن صدقية هذا التحول لا تُقاس بحدة التصريحات، بل بقدرته على إنتاج إجراءات قانونية وسياسية تدعم الحقوق الفلسطينية وتوقف الاستيطان.

بريطانيا.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!