كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الحوثيون والسعودية: حرب على الحدود أم صراع على المستقبل؟

 حين يتابع المرء الصراع بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، يبدو المشهد للوهلة الأولى مواجهة غير متكافئة بين دولة تمتلك إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة، وجماعة مسلحة نشأت في بلد أنهكته الحروب والانقسامات. غير أن هذا التوصيف، على بساطته، لا يكفي لفهم طبيعة الصراع أو تفسير طول أمده.

فالسؤال لم يعد فقط: كيف استطاع الحوثيون الصمود أمام التفوق العسكري السعودي؟ بل أصبح: كيف تحولت جماعة محلية، كانت محدودة الإمكانات، إلى قوة قادرة على تهديد العمق السعودي، والتأثير في أمن البحر الأحمر، والدخول في حسابات الأمن الإقليمي والدولي؟

نشأ الحوثيون في بيئة يمنية معقدة، ثم توسع نفوذهم تدريجيًا حتى دخلوا صنعاء في أيلول 2014، لتبدأ مرحلة جديدة أصبحوا فيها طرفًا رئيسيًا في معادلة السلطة والحرب. وفي آذار 2015 بدأ التدخل العسكري الذي قادته السعودية دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

ومع تطور قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، انتقلت المواجهة من نطاقها المحلي إلى مساحة أوسع، ولم يعد السلاح التقليدي وحده معيار القوة.

وقد خفّضت الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في نيسان 2022 مستوى المواجهات المباشرة والهجمات على الأراضي السعودية بدرجة كبيرة، على الرغم من انتهاء مدتها الرسمية في تشرين الأول من العام نفسه. لكن غياب التسوية السياسية الشاملة أبقى أسباب الصراع قائمة، قبل أن تشهد المواجهة تصعيدًا جديدًا في أيلول 2026.

إيران وتعقيدات العلاقة مع الحوثيين

لا يمكن قراءة هذا التحول بعيدًا عن علاقة الحوثيين بإيران؛ إذ أسهم الدعم والخبرة وشبكات الإمداد الإقليمية في تطوير قدراتهم وتعزيز موقعهم. لكن اختزال الجماعة في كونها مجرد أداة إيرانية لا يقدم صورة كاملة؛ فالحوثيون يمتلكون مشروعًا محليًا ومصالح يمنية خاصة، وإن كانت علاقتهم بطهران قد منحتهم قدرة أكبر على المناورة والتأثير.

إنها علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، ويتداخل فيها المحلي بالإقليمي، والعقائدي بالسياسي، واليمني بالصراع الأوسع على النفوذ في المنطقة.

معضلة التفوق العسكري السعودي

في المقابل، واجهت السعودية معضلة الحرب غير المتكافئة؛ فامتلاك التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الحسم السياسي. وقد أظهرت سنوات الحرب أن القوة الجوية والأسلحة المتطورة تستطيع إحداث أثر ميداني كبير، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج واقع أمني وسياسي مستقر.

ولا تكمن المعضلة في امتلاك القدرة على الرد فحسب، بل في كيفية تحويل التفوق العسكري إلى تسوية تحمي الحدود السعودية، وتمنع تحول اليمن إلى مصدر دائم للتهديد، وتفتح الطريق أمام دولة يمنية مستقرة.

باب المندب والانتقال إلى الصراع الدولي

يتمثل التطور الأخطر في مسار الصراع في اتساع قدرة الحوثيين على التأثير في البحر الأحمر ومحيط باب المندب، ولا سيما منذ أواخر عام 2023.

فاليمن لا يقع على هامش الجغرافيا، بل يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وعندما تصبح جماعة مسلحة قادرة على مهاجمة السفن أو تهديد الملاحة، فإنها تمتلك ورقة تتجاوز وزنها المحلي، وتدخل من خلالها في حسابات التجارة الدولية وأمن الطاقة ومصالح قوى بعيدة عن اليمن.

وقد أدت الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر إلى تغيير مسارات عدد من شركات الشحن، وزيادة مدد الرحلات وكلف النقل والتأمين، وهو ما أظهر قدرة الصراع اليمني على التأثير في الاقتصاد العالمي.

وهنا قد يصبح باب المندب نقطة تحول في مستقبل الحرب؛ لأن انتقال القدرة الحوثية من مواجهة الخصوم داخل اليمن وعند الحدود السعودية إلى التأثير في الممرات البحرية يمنح الصراع بُعدًا دوليًا أكثر خطورة، ويجعل أي تسوية في اليمن مرتبطة بحسابات تتجاوز حدوده.

اليمن بين الحرب الداخلية وصراع النفوذ

يكمن الخطر الأكبر في أن يتحول اليمن من دولة تعاني حربًا داخلية إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فالسلطة والثروة والهوية وشكل الدولة قضايا يمنية حقيقية، لكن التدخلات الخارجية جعلت الفصل بين الداخل والخارج أكثر صعوبة.

وكلما طال أمد الصراع، أصبحت القوى اليمنية أكثر ارتباطًا بالداعمين الخارجيين، وتراجعت قدرة اليمنيين على صياغة مشروع وطني مستقل يجمعهم.

ولهذا فإن الحل العسكري، مهما بلغ أثره، لا يستطيع وحده صناعة السلام. فالقوة قد تغير ميزان المواجهة، لكنها لا تعالج الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت الصراع.

إن السلام الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الدولة اليمنية قدرتها على احتكار السلاح، وحماية حدودها ومياهها، واستيعاب مكوناتها السياسية والاجتماعية، وتصبح المصلحة الوطنية أقوى من حسابات الوكلاء والخصوم.

وفي النهاية، لم تعد المواجهة بين السعودية والحوثيين مجرد حرب على الحدود؛ إنها صراع على النفوذ، وعلى مستقبل اليمن، وعلى موازين القوة في الجزيرة العربية والبحر الأحمر.

ويبقى السؤال الأهم:

أي مستقبل سيخرج من تحت أنقاض هذه الحرب، ومن سيكون قادرًا على صياغته؟

❖ كتابات في الميزان ❖  

يقرأ المقال الصراع السعودي–الحوثي بوصفه أزمة تتجاوز الحدود اليمنية إلى أمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر. ويبيّن أن التفوق العسكري لا يضمن الحسم السياسي، مثلما لا يمكن فهم قوة الحوثيين بعيدًا عن العوامل اليمنية والدعم الإيراني. وتبقى الفكرة الأهم أن السلام لن يتحقق بتوازن الردع وحده، بل بقيام دولة يمنية تستعيد قرارها وتمنع تحويل البلاد إلى ساحة لصراعات الآخرين.

الحوثي_السعودية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!