في السنوات الأخيرة، برز تقاطع لافت بين خطاب حكومة بنيامين نتنياهو وبعض أحزاب اليمين الأوروبي الصاعد. ويمكن اختصار هذا التقاطع بجملة واحدة تتكرر بدرجات مختلفة: نحن وإياكم نواجه عدوًا واحدًا.
لم يأتِ هذا التقارب من فراغ، بل جاء نتيجة تحولات داخلية في إسرائيل وأوروبا، وإعادة تعريف لمفهومي التهديد والهوية في السياسة المعاصرة.
تقاطع في تعريف التهديد
تقدم إسرائيل صراعها مع حماس وإيران وبعض الجماعات المسلحة باعتباره جزءًا من مواجهة أوسع مع ما تسميه «التطرف الإسلامي»، وتحاول إقناع الغرب بأن ما تواجهه إسرائيل اليوم قد يصل إليه غدًا.
وفي المقابل، يركز اليمين الأوروبي على الهجرة، خصوصًا القادمة من دول ذات غالبية مسلمة، ويقدمها، في كثير من الأحيان، باعتبارها تهديدًا للهوية الأوروبية وللأمن والثقافة.
هنا يلتقي الخطابان؛ فنتنياهو يستطيع أن يقول لجمهوره: انظروا، حتى أوروبا بدأت تفهم الخطر. ويستطيع زعماء اليمين الأوروبي أن يقولوا لناخبيهم: انظروا، إن إسرائيل التي تعيش وسط الصراع تتبنى التحليل نفسه.
والأهم أن هذا الخطاب ينقل النقاش من السياسة إلى الوجود؛ من قوانين الهجرة والحدود والسياسات الأمنية إلى سؤال أكثر تأثيرًا في التعبئة السياسية: من نحن، ومن يهددنا؟
مكاسب إسرائيل من التقارب
تستفيد إسرائيل من هذا التقارب في أكثر من اتجاه؛ فصعود حكومات وأحزاب يمينية في دول أوروبية عدة وفّر لها حلفاء جدد، وخفف، في بعض الحالات، من حدة الانتقادات الأوروبية، كما أتاح لها تقديم تجربتها الأمنية ومراقبة الحدود بوصفها نموذجًا يمكن الاستفادة منه.
غطاء سياسي لليمين الأوروبي
أما اليمين الأوروبي، فيجد في العلاقة مع إسرائيل ما يمنحه غطاءً أمنيًا ودوليًا لخطابه.
كما أن الانتقال من بعض مظاهر العداء التاريخي لليهود في تيارات اليمين المتطرف إلى خطاب يقوم على مواجهة ما يسمى «الإسلام السياسي» يعيد ترتيب صورة هذا اليمين وتحالفاته.
ويمثل ذلك تحولًا مهمًا في خريطة العلاقات الإسرائيلية–الأوروبية؛ فقد كان الوسط واليسار والليبراليون، تاريخيًا، أقرب إلى إسرائيل، خصوصًا في ظل الإرث الثقيل للمحرقة والروابط السياسية والثقافية التي نشأت بعدها. لكن تراجع اليسار وصعود القومية الجديدة، التي تركز على الهوية والسيادة والهجرة، غيّرا شيئًا من هذه المعادلة.
حدود التناغم واختلاف الأولويات
مع ذلك، فإن هذا التقارب لا يخلو من حدود؛ فاليمين الأوروبي ينظر أساسًا إلى الهجرة والهوية والأمن الداخلي، بينما تنشغل إسرائيل بإيران وغزة والضفة الغربية وقضايا أمنية إقليمية أكثر اتساعًا. وقد تتقاطع المصالح في قضية وتختلف في أخرى.
كما أن الوسط واليسار الأوروبيين ينظران بقلق إلى هذا التقارب، ويريان أنه قد يضعف التزام أوروبا بحقوق الإنسان والقانون الدولي، بينما يحذر منتقدون من التعميم الذي يضع الحركات المسلحة والتيارات الدينية والمهاجرين العاديين في سلة واحدة تحت عنوان واحد.
تحالف ظرفي أم استراتيجي؟
لذلك، فإن ما يجمع تل أبيب واليمين الأوروبي اليوم قد يكون تحالفًا ظرفيًا أكثر منه تحالفًا استراتيجيًا مكتمل الأركان. إنه تقاطع فرضته لحظة سياسية تشهد إعادة رسم للخرائط الأيديولوجية في العالم.
ويبقى السؤال الأهم: هل يصمد هذا التقارب عندما تتعارض المصالح؟ وهل يبقى «العدو الواحد» كافيًا للحفاظ على هذا التناغم عندما تفرض السياسة حساباتها الخاصة؟
حتى ذلك الحين، سيظل خطاب العدو المشترك واحدًا من أقوى الجسور بين تل أبيب واليمين الأوروبي؛ لأنه يمنح كل طرف ذخيرة سياسية يحتاج إليها في معركته الداخلية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يرصد المقال انتقال العلاقة بين حكومة نتنياهو وبعض تيارات اليمين الأوروبي من التقارب الدبلوماسي إلى التقاء أيديولوجي يقوم على خطاب الهوية والتهديد المشترك. ويبيّن أن كل طرف يوظف هذه العلاقة في معركته الداخلية، سواء لكسب التأييد الأوروبي لإسرائيل أو لإضفاء شرعية أمنية على سياسات اليمين تجاه الهجرة. لكنه يؤكد أن اختلاف الأولويات والمصالح يجعل هذا التقارب انتقائيًا وقابلًا للتراجع، وليس تحالفًا ثابتًا بين إسرائيل واليمين الأوروبي كله.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!