انغماس المسلمين شعوبا وحكومات فيما أوقعهم فيه أعداؤهم من ثقافة هجينة، لا علاقة لها بالقيم الإلهية، جعلتهم ينهلون منها نهل جائع عطشان، ما زادهم بعدا عن دينهم ، وبلوغ أهدافه التي أرادها الله لهم تحقيقها، يبدو المشهد في هذا الإطار أكثر غباء من جانب عالمنا الإسلامي، وأكثر خبثا من جانب نظُمِ الغرب الصهيونية، وبين هذا الغباء وذاك الخبث تشكلت السياسة بين المعسكرين، بما أسفرت عليه من خضوع وهيمنة، أجهزت على طموحات وآمال شعوب منتشرة في افريقيا وآسيا، تتمنى من قلوب غالبية أهلها، إقامة دينهم الإسلامي نظاما قيّما عليهم، حاكما بشريعته العادلة بينهم، فقد ملّت شعوبنا بجميع أطيافها، بقاءها تحت قوانين ودساتير مستعارة من أعدائهم، وسئمت من شخصيات ممسوخة الفكر، أدوات خبيثة صنعتها ثقافة الغرب، ودعمتها برامج ودعايات دوله، لتصبح أدواته المتجددة في الحكم والسيطرة علينا، بما يعنيه ذلك التمشي السياسي من خطط وأساليب.
تتلألأت أنوار عالمنا الإسلامي بذكرى مولد رسولنا ونبيّنا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله في موعد يتجدد كل سنة، ليذكّرنا كل مرّة برجل عظيم مرّ بعالمنا، مختتما مسيرة 124 ألف نبي ورسول، مشكلا نموذجا قرآنيا متحرّكا بآدابه وأحكامه، في مجتمع نحا بمجمله، إلى جاهلية جهلاء لا مكان فيها للقيم الإنسانية، مبرزا مشروعه الإلهي الكبير في إقامة الحق والعدل، ورفض الظلم والباطل بجميع صروفه وأدواته، نشر الرحمة والأخوّة بين النّاس، في إطار منظومة إسلامية جاء بها كآخر رسالة، متكاملة الأحكام والأهداف بناء متكاملا، لم يفرّط في شيء من أمور الدنيا حتى يستدركه الخلق، فما الذي حدث حتى يتهاوى صرح ذلك البناء على رؤوس أهله، ليصبح مجرّد منظومة خاوية على عروشها، لا يكاد زائر أوطانها يميّز فيها شيئا يشبه الإسلام، آدابا وأحكاما وثقافة؟
لقد قدّم لنا نبيّ الهدى والرحمة صلى الله عليه وآله من خلال سيرته العطرة، نموذجا من أرفع وأرقى النماذج للإنسان الكامل، دعانا فيه بلسان وحيه المقدس، إلى اتباعه في جميع أوجه حياته: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) (1) تجلت من خلاله رفعة وعظمة أخلاقه، في الغضب والرضا، وفي السلم والحرب، والألفة والعزلة، ولم يعظّم الله أخلاقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) (2) إلا لكونها سلوكيات عالية المضامين، اجتمعت في شخصه المقدّس، لتشكّل بمجموعها نمطا أخلاقيا، دقيق التعامل مع محيطه، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، مراعيا الجانبين المادي والمعنوي في ذلك، من دون اخلال فيهما، تلك الدعوة وذلك النموذج من شأنهما أن يرتفعا بالمسلم، من مسافل الأمم ومساوئ أخلاقهم، إلى معالي ورفيع آداب أصفى وأحب مخلوق لخالقه.
لقد لخّص نبيّنا الأقدس صلوات الله عليه وآله بعثته بقوله: (إنّما بعثت متمما لمكارم الأخلاق)(3) باذلا في ذلك جهوده المضنية، فلم يقصّر في تأليف القلوب من حوله، وترغيبهم في الإلتزام بما بيّنه لهم من أدبيات أساسية في الإسلام، وتجلى حرصه على إقامة مجتمع الأمّة الصالحة، التي ستتحمل مسؤولية نقل القِيم النبويّة ونشرها في العالم، لقد كانت أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله ولا تزال خلاصة تطبيقات سلوكية رفيعة المستوى، تُعتَبَرُ الأساس العملي لحياة الانسان المسلم، فهو القدوة والأسوة الحسنة الذي باتباعه يصحّ انتماءه للإسلام، وبآدابه يرتقي إلى رضوان الله وغفرانه، (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (4)
ومع كل ما قدّمه لنا حبيب رب العالمين من نماذج تطبيقية، قام بها خلال حياته، من آداب تعامل على المستويين الاجتماعي والعام والشخصي الخاص، لم نجد في مجتمعاتنا ذلك الالتزام الواضح بها، كأنّ تلك القيم المحمدية لم يعد لها مكان في حياة مجتمعاتنا، ولا غرابة في كونها اندثرت أيضا في الباطن المعنوي، بحيث أصبح أغلبهم مجرّد أدعياء اتباع نبي برسالة الإسلام، ليخرج قومه من ظلمات الجاهلية القديمة، فامتنعوا عنه بجاهلية جديدة قد تكون أشدّ من الأولى قسوة ووحشية.
لكنه في مقابل هذه الدعوات والترغيبات النبوية، وجدنا صدّا عجيبا صادرا عن أغلب أمّة إسلامية زاغت عن منهاجه، وانحرفت عن سبيله، تقصيرا منها في واجب اتباعه، سجّلت على مدى تاريخها تخاذلا وتقاعسا واخلالا، أودى بها إلى انحرافها عن جادّته جيلا بعد جيل، أفضى بها إلى الابتعاد تماما عن منهاجه، حتى لم يعد يربطها به شيء من آداب وأحكام إلهيّة دعا إليها، وأجهد نفسه الشريفة في بيانها والحثّ على العمل بها، وعوض أن يرتقي المسلمون في سُلّم المكارم كما أمرنا، جاءت نتيجة تخلينا عنها، إلى اتباع أوهام ثقافة الغرب الصهيوني، وتقليد نمطيّته في التحرر من أحكام الله وآدابه، كانت نتيجتها اصطباغ مجتمعاتنا وشعوبنا بألوان خطيرة من المسخ الثقافي والتدني القيمي.
وقد وجدنا شعوبنا الإسلامية اليوم بلا إسلام حقيقي، من شأنه أن يقيم فينا أحكامه بقداستها، ونتائجها الحافظة لقيم وآداب النبي الخاتم صلى الله عليه وآله، إسلام شكلي خاويٌ على عروشه، قبله من قبله دون أن يستنكر منه شيئا، زكاه أدعياء حكم وسياسة منتسبون إلينا لكنهم أبعد ما يكونون عنا انتماء، اسلام خال من الولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائه، وحكاما مسلمين يرون أعداء الدين أولياء لهم عوض أن يتبرّأوا منهم، فأيّ اسلام هذا الذي لا يقدّم شيئا مما ينفع أهله، وأيّ مسلمين هؤلاء الذين انتسبوا اليه اسما وتباينوا عنه فعلا؟
كان من باب أولى لأمّة الإسلام أن تستفيق من غفلتها، وتعي ما حيك لها ويحاك من مسخ ديني، طريقها الوحيد إلى هذا الوعي العودة إلى الأخذ بقيم وآداب النبي الخاتم، فلا شيء يجسّد دينه الإسلامي سوى الاتباع والاقتداء بما جاء به، ولن يقبل الله في عباده الصالحين، سوى أولئك الذين اتبعوا سنن الإنسان الكامل أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله، خلاف ذلك يبقى مجرّد ادعاء خال من الاثبات، ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وآله: يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت(5).
في الإحتفال بذكرى ولادة النبي صلى الله عليه وآله، تجديد عهد بشخصه المقدّس، وتعبير صادق على مدى ارتباطنا به، وتعلقنا بما جاء به من قيم سمحة، ومن اعتقد انتهاء دوره برحيله فهو مخطئ في تقديره، وعليه أن يراجع موقفه من نبيه، مراجعة تعيدُ اعتباره كمنقذ ليس للعرب وحدهم بل للإنسانية المضطهدة بصفة عامة، بل من الواجب تذكر نبيّنا صلى الله عليه وآله، بما يستحق من تكريم وتنويه بشخصه وخصاله، ومخطئ كل من اعتبر الإحتفال بذكرى مولده بدعة، فذلك نفس صهيوني ظهر متأخرا، هدفه انساء المسلمين اتّباع نبيّهم والتخلي تبعا لذلك عن مخزون قيمه التي تشكل تطبيقاته العملية لأحكام الإسلام وآدابه، بعدما صرفوهم عن واجب تعهّد أحكام دينهم والعمل بمقتضاها، ولن يكون المسلم مسلما الا إذا كان متّبعا لنبيه اتباعا حقيقيا، يجسّد بأبعاده حقيقة الولاية، ويترتب عليها نوال محبة الله ومرضاته.
طوبى لمن سعى الى الانتماء الحقيقي لسنن إلهية قيّمة، يُراد اعفاؤها من حياة مجتمعاتنا عمدا، وترك ما دون ذلك من دعوى باطلة، لا أثر مترتّب عليها سوى الانغماس في مستنقع التحرر من الإسلام، وسلبية التعامل مع قضاياه الراهنة، وفي مقدمتها قضية التحرر من الغرب الصهيوني، العدوّ الذي أضرّ بقيمنا الأساسية في الولاية والبراءة، وتركنا دولا وشعوبا نرجو منه الخير، وهو العدو الذي طالما اضمر لنا الشر ونفّذ مؤامراته بيننا ليزيدنا تفريقا وبعدا عن ديننا ونبيّنا صلى الله عليه وآله.
إن في الاحتفال بمولد سيد البشر صلى الله عليه وآله اعترافا بفضله العميم الذي قدّمه لأجيالنا واستحضارا لسيرته العطرة التي فقدت أغلبها شعوبنا الإسلامية، فمن أحيا ذلك اليوم العظيم فقد استمسك بعروته الوثقى، ومن أهمله كما يجهد الوهابية أنفسهم اليوم من اجل إطفاء ذكراه، فقد جفا النبي صلى الله عليه وآله، وجفا ربّه في يوم من أيام الله التي أنتجت رحمة للعالمين.
المراجع ..
1 / سورة ال عمران الآية 31
2/ سورة القلم الآية 4
3/ قريب من هذا المعنى: إما بعثت لأتمم صالح الاخلاق. مسند احمد مسند ابي هريرة ج14ص512ح8952
4/ سورة التوبة الآية 128
5/ سنن ابي داود اول كتاب الملاحم ج4ص315ح4297/ مسند أحمد مسند الأنصار ومن حديث ثوبان ج 37ص82 ح 22397
«كتابات في الميزان»
يرى المقال في المولد النبوي فرصة لتجاوز الاحتفال الشكلي إلى استعادة السيرة بوصفها مشروعًا للأخلاق والعدل والتحرر من التبعية. وتكمن قوة الفكرة في ربط محبة النبي بالاقتداء العملي، مع ضرورة التعامل مع الخلاف الفقهي حول صورة الاحتفال بعيدًا عن التبديع والاتهامات السياسية غير الموثقة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!