كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هدية أم رشوة؟ مناقشة في أحد مظاهر السلوك الوظيفي

 بعض الموظفين يتقبلون إستلام مبالغ مالية او أشياء عينية من مراجعي دوائرهم كمالمقاولين او ممثلي الشركات او المعقبين او المواطنين عموما ً، وعندما تسألهم عن سبب ذلك يجيبون أنهم يتقبلونها كهدية ويبررون فعلهم بأن الرسول (ص) والائمة (ع) تقبلوا الهدايا وبالتالي فهم يرون ان ما يفعلونه صحيح ولا يمت للرشوة بصلة.

وهذا الفعل وتبريراته يمكن ان يُناقشا بعدة أمور :

١. ان الهدية بين ابناء المجتمع امر لطيف ومحبذ في الشريعة كما ورد عن الامام الصادق (ع) ((تهادوا تحابوا)) الا ان ذلك الامر يكون عفويا ليس من وراءه مقاصد غير نظيفة، فالهدية وسيلة لادخال السرور على الاخر وتكريمه وتوطيد الصلة معه كما هو حال الاهداء بين الاصدقاء والازواج والاخوة والجيران وغيرهم، اما إعطاء المُراجع شيء معين للموظف فلا يلحظ فيه ذلك ابدا ً. بل هو في الغالب وسيلة لاستعطافه وارضاءه او إغراءه لتمشية معاملة معينة خارج الضوابط او لتسريع انجازها على حساب الاخرين او لاقامة علاقة مع الموظف تنفعه مستقبلا في معاملاته، وبالتالي قد يُعطى هذا الفعل عنوان الإهداء الا ان الحقيقة والمقصد غير ذلك.

٢. بناء على مفهوم الهدية الصحيح فانها تكون بين اشخاص تربطهم صلة معينة كما ذكرنا اعلاه. فما هو وجه الصلة بين الموظف والمُراجع لكي يعطيه هدية. ولماذا يعطي للموظف الذي يشتغل بمعاملته ولا يعطي لموظفين اخرين في نفس الدائرة او غيرها. وهل سيعطي المُراجع لنفس الشخص لو لم يكن موظفا ً والتقى به في مكان ما دون معرفة به؟

٣. ان الموظف يتقاضى راتبا ً شهريا ً مقابل الخدمة التي يقدمها، فما هو وجه اخذ شيء معين من المُراجع على جهد يقع ضمن مهام عمله الا اذا كان ذلك مقابل امور يطمح اليها بعض المراجعين.

٤. ان الموظف كشخص مؤمن عليه ان يكون عفيفا عن اي فعل قد تكون فيه شبهة وان يتصف بالتقوى والورع عن أخذ أي شيء فيه احتمال الحرمة ومنها ما يُسمى بالهدية لوجود شبهة واضحة في كونها رشوة او لكونها فائدة دون استحقاق او لأنها تلحق الضرر بالمراجعين.

٥. ان مساعدة المُراجعين في إنجاز معاملتهم بمدة أقصر من المتعارف عليها هي من الاعمال التي يمكن ان يؤديها الانسان قربة الى الله لينال الطافه وبركاته وبالتالي فان أخذ أجر دنيوي على تلك المساعدة يذهب بتلك الجنبة المعنوية والروحة للعمل ويحرمه مما اعده الله من الأجر الجزيل لمن يقضي حوائج الاخوان بنية خالصة.

٦. ان مقتضى الاقتداء بالنبي (ص) وآله الاطهار (ع) يستلزم ان يؤدي الانسان الخدمة لاخوانه دون انتظار أي جزاء دنيوي عليه كما ورد في قوله تعالى على لسان أهل بيت النبوة في حادثة إطعام المسكين واليتيم والأسير ((إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ً ولا شكورا ً))، وعليه فان أخذ هدية او أجر من قبل الموظف على مساعدة الإخوان لا ينسجم مع روح التأسي بذلك الخلق العظيم.

٧. على الانسان أن يحذر من تسويلات النفس الأمارة وشياطين الانس والجن وتزيينهم للمعصية وإلباسها ثوب الصالحات ((أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)) ((وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)) فهم قد يزينون هذا الفعل للموظف بأنه هدية وليس رشوة.

٨. على الانسان ان يرجع الى فطرته ويحكم ضميره ويسأل نفسه ويجيب بينه وبين الله : هل ان هذا الفعل مما يليق بالمؤمن الصالح او لا ؟ وهل ان الله يرضى به او لا ؟ وما هو الموقف المشرف له في الدنيا والاخرة؛ أخذ ما يسميه الهدية ام الترفع عن ذلك الفعل ؟ من المؤكد ستكون إجابة فطرته وضميره بترك ذلك الفعل.

٩. إن رسول الله (ص) والائمة (ع) والصالحين قد تقبلوا الهدايا التي اهديت لهم، الا ان تلك الهدايا كانت بطريقة عفوية ودافع شريف من قبل المُهدين لحبهم لنبيهم وائمتهم وعلماءهم ولذلك فانهم يتقبلونها قربة لله، بل انه ليس من المروءة عدم تقبل هداياهم.
وفي نفس الوقت حينما كان بعض الانتهازيين والمنافقين يقدمون هدايا بدوافع دنيوية ودنيئة فانهم يرفضونها كما حصل في قضية أحد الأشخاص مع الامام على (ع) والتي يرويها هو (ع) في نهج البلاغة (( وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها ، فقلت أصلة أم زكاة أم صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت. فقال لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية. فقلت هبلتك الهبول ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ، أمختبط أنت أم ذو جنة أم تهجر )).

١٠. ان هذه المعاملة بين الموظف والمُراجع هي احد مصاديق الفتن التي يتعرض لها الانسان في حياته من خلال تشبيه الحرام بالحلال تلبية لاهواءهم وهو ما حذر منه رسول الله (ص) فيما رواه عنه الامام علي (ع) ((يا علي ان القوم سيفتنون بأموالهم ، ويمنون بدينهم على ربهم ، ويتمنون رحمة ، ويأمنون سطوته ، ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية ، فيستحلون الخمر بالنبيذ ، والسحت بالهدية ، والربا بالبيع))، لذلك ينبغي للموظف ان يخرج ناجحا ً من الفتن التي ترافق عمله وان يحذر من استلام ما يسمونه بالهدية فانها في الغالب رشوة مغلفة بعنوان الهدية فلا يحاول خداع نفسه تحت ضغط الحاجة او حبه للمال.

١١. ان هذا الفعل وان تم اعتباره اهداء ً الا انه قد يعكس سمعة سيئة عن الموظف، حيث أن الآخرين قد يفسرونه بانه رشوة خصوصا في هذا الزمن الذي يكثر فيه سوء الظن والتسقيط مع ملاحظة وجود الكامرات التي قد توثق ذلك الفعل مما قد يسبب الأذى له إجتماعيا ووظيفيا.

١٢. إن ضوابط العمل الإداري للموظفين التي تعتبر بمثابة العقد بين الموظف والدولة لا تسمح بهذا الفعل، وعليه فإن الموظف الذي يمارس ذلك الفعل يُخالف ما تعاقد عليه وهو ما يوقعه في اشكال إداري وديني بإعتبار ان العقد شريعة المتعاقدين.

١٣. ان تقبل الموظف لهذا الفعل من بعض المُراجعين وان سُميَ اهداء سيجعله بمرور الزمن متوقعاً حصوله من باقي المُراجعين الذين يراجعونه لانجاز معاملاتهم، وبالتالي قد يستاء من الذي لا يعطيه (هدية) تقديرا لجهوده مما قد يؤدي به الى عرقلة معاملته من حيث يشعر او لا يشعر وهي حالة متوقعة من النفس الانسانية وتجربة ملموسة في واقعنا.

١٤. ان تقبل الهدية من المُراجعين قد يُجرئ الموظف على قبول الرشوة من بعضهم لاحقا بعد ان يعتاد على الأخذ منهم فتتطور عنده الحالة من حيث يشعر او لا يشعر لتقبل الرشوة وتبريرها تحت عناوين معينة.

١٥. إن إعطاء المُراجع شيء معين للموظف سوف يكون جميل يطوق به عنق الموظف مما يجعله في حرج في حال عدم إنجاز معاملته بالشكل او السرعة التي يريدها المُراجع كونه صاحب فضل عليه. وقد يصل الامر الى استعباده كما روي عن امير المؤمنين (ع) (( الإحسان يستعبد الانسان)) فيكون الموظف طوع أمر المُراجع ومن ثم يتورط في انجاز المعاملات خارج الضوابط او على حساب الاخرين.
ورد في الأثر ان الخليفة الثالث حاول استمالة أبي ذر الى جانبه ليكف عنه نقده المستمر لسياسته في إدارة الأمور إلا أن محاولاته لم تنجح، الى ان حاول في أحد المرات أن يغريه بالمال ليشتري سكوته. فقد أرسل له مبلغا ً من المال بصحبة احد عبيده ووعده انه اذا اقنع ابا ذر بأخذ المال فإنه سيعتقه. فجاء ذلك العبد وتحدث مع ابي ذر لكن ابا ذر رفض استلام المبلغ فقال له العبد (ان فيها عتقي) فأجابه ابو ذر (ان فيها رقي) . وهو دليل على أن استلامه للمال يجعله عبدا لمن اعطاه إياه .

١٦. حتى لو سلمنا بأن عطاء المُراجع للموظف هو هدية فان الاحتياط الذي يجب يتحلى به المؤمن وهو سبيل النجاة كما ورد عن الفقهاء يقتضي الترفع عن ذلك الفعل لضمان نجاته.

١٧. قد يتقبل بعض الموظفين ما يعتبره هدية بنية سليمة خجلا ً او لأنه يتصور أن من الأدب عدم رد الهدية دون الالتفات الى مقصود المُراجع، الا ان هذا التصرف قد يوقعه بمحاذير اجتماعية ووظيفية وهو ما ينبغي ان يحسب له حساب، فالمؤمن يجب ان يكون كيس فطن على حد تعبير الروايات.

مما ورد اعلاه نخلص الى ضرورة ان ينتهي الاخوة الموظفون عن استلام اي شيء من المُراجعين وتحت أي ذريعة وان يقوموا بتقديم الخدمة وفق الضوابط وبكل مهنية وإخلاص لضمان حلية مرتباتهم ونجاتهم وإعطاء صورة جميلة عن الإسلام والمسلمين.

✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال حدًّا فاصلًا بين الهدية التي تنشأ من المودة الخالصة، والعطاء المرتبط بالمنصب والمصلحة؛ فالعبرة ليست بالاسم الذي يُطلق على المال، بل بالدافع والظرف والنتيجة. وينبّه بوضوح إلى أن قبول «هدية المراجع» قد يبدأ مجاملة صغيرة، ثم يتحول تدريجيًا إلى باب للمحاباة واستغلال الوظيفة والإخلال بحقوق الآخرين. كما يدعو الموظف إلى صيانة كرامته وسمعته، وتقديم الخدمة بوصفها واجبًا وظيفيًا وأمانة أخلاقية لا مقابلًا لعطاء مستتر.

هدية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!