كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 العراق في قرن: أربعة أجيال ولم تكتمل تجربة الدولة

حين نقرأ تاريخ العراق السياسي في القرن العشرين، قد يبدو لنا أنه مجرد سلسلة من التحولات السياسية: نهاية الحكم العثماني، والاحتلال البريطاني، وثورة العشرين، وتأسيس المملكة العراقية، ثم الجمهورية، والانقلابات العسكرية، وصعود حزب البعث، فالحروب والأزمات، وصولًا إلى سقوط بغداد عام 2003.

لكنني أعتقد أن قراءة أخرى لهذا التاريخ قد تكون أكثر أهمية لفهم العراق اليوم؛ فالعراق لم يشهد، خلال قرن واحد، تغيّر الحكومات والأنظمة السياسية فحسب، بل شهد أيضًا تغيّرًا متكررًا في القواعد التي يُعاد بها تنظيم المجتمع والدولة.

دخل العراق القرن العشرين وهو جزء من الدولة العثمانية، ثم انتقل إلى مرحلة الاحتلال البريطاني والانتداب. وكانت ثورة العشرين إحدى أهم اللحظات التي دفعت بريطانيا إلى تغيير سياستها والاتجاه نحو تأسيس حكم وطني؛ فأُنشئت المملكة العراقية، وتُوّج الملك فيصل الأول ملكًا عام 1921.

غير أن الدولة العراقية الجديدة لم تحصل على الوقت الكافي لترسيخ تقاليد سياسية ومؤسساتية مستقرة؛ فقد تعاقبت الحكومات، واشتدت الصراعات السياسية، وتدخّل الجيش في الحياة السياسية، وظهرت الانقلابات العسكرية وسيلةً لتغيير السلطة.

وفي هذه البيئة، ظهرت أحزاب وتيارات سياسية متعددة، حمل كل منها تصورًا مختلفًا لإعادة تنظيم الدولة والمجتمع؛ بدءًا من الملكية الدستورية والليبرالية، مرورًا بالقومية العربية والتيارات اليسارية والشيوعية، وصولًا إلى التيارات القومية الراديكالية وغيرها.

ثم جاءت ثورة عام 1958 لتعلن نهاية الملكية وبداية الجمهورية، ومعها بدأت مرحلة أخرى من الصراع والانقلابات والتحولات السياسية، إلى أن وصل حزب البعث إلى السلطة عام 1968. ودخل العراق مرحلة طويلة من الحكم المركزي الصارم، انتهت بحروب كبرى وأزمات متتابعة: الحرب العراقية–الإيرانية، ثم غزو الكويت، وحرب الخليج، والعقوبات الدولية، وأخيرًا سقوط بغداد في نيسان/أبريل 2003.

لكن ماذا يعني كل ذلك إذا نظرنا إليه من زاوية الأجيال؟

إذا افترضنا أن الجيل يمتد، في المتوسط، نحو خمسة وعشرين عامًا، فإن القرن العراقي الحديث يمكن أن يُقرأ بوصفه قرنًا عاشته أربعة أجيال متعاقبة، نشأ كل جيل منها في بيئة سياسية مختلفة عن البيئة التي نشأ فيها الجيل السابق.

فهناك جيل وُلد في أواخر العهد العثماني، وجيل نشأ في ظل الاحتلال والانتداب، وجيل عاش الملكية والانقلابات، وجيل آخر نشأ في ظل الجمهورية والبعث والحروب.

وهنا تظهر المشكلة الأعمق: المجتمع يحتاج إلى وقت لكي يتعلم الدولة.

فالمؤسسات لا تستقر بمجرد تأسيسها، والقوانين لا تصبح ثقافة اجتماعية بمجرد إصدارها، والعمل السياسي لا يتحول إلى تقليد راسخ بمجرد إنشاء الأحزاب. كل ذلك يحتاج إلى تراكم طويل، تنتقل فيه الخبرة من جيل إلى آخر.

لكن ماذا يحدث عندما يتغير النظام السياسي قبل أن تكتمل خبرة النظام السابق؟

تبدأ عملية جديدة لإعادة تنظيم المجتمع، وتُعاد صياغة المؤسسات، وتتغير قواعد العمل السياسي، وتتبدل النخب ومراكز القوة، ويجد جيل جديد نفسه أمام دولة مختلفة عن الدولة التي عرفها آباؤه.

وبذلك، لا ينقطع التراكم السياسي والمؤسسي فحسب، بل ينقطع أيضًا انتقال الخبرة الاجتماعية من جيل إلى آخر. وهنا، ربما نستطيع أن نفهم جانبًا من ضعف الدولة العراقية اليوم.

فالمشكلة ليست في الفساد وحده، ولا في التدخلات الخارجية، أو سوء الإدارة، أو الصراعات السياسية، على الرغم من أهمية هذه العوامل جميعًا؛ بل قد تكمن المشكلة الأعمق في أن العراق عاش، خلال قرن كامل، عمليات متكررة لإعادة بناء الدولة قبل اكتمال عملية البناء السابقة.

لقد تغيرت الدولة مرات عديدة، بينما لم يحصل المجتمع على المدة التاريخية الكافية لتحويل تجربة الدولة إلى ثقافة ومؤسسات وموروث سياسي متراكم.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا تغيرت الأنظمة السياسية في العراق بهذه السرعة؟ بل: ماذا فعل هذا التغير المتواصل بالمجتمع العراقي نفسه؟

ربما يكون أحد الأجوبة أن المجتمع أصبح أكثر قدرة على التكيف مع التغيير من قدرته على بناء الاستقرار، وأكثر خبرة في التعامل مع الأشخاص ومراكز القوة من التعامل مع المؤسسات؛ لأن المؤسسات نفسها لم تحصل دائمًا على فرصة كافية لتصبح مستقلة عن الأشخاص والأنظمة.

ومن هنا، يمكن أن نفهم العراق بوصفه مجتمعًا عاش قرنًا من إعادة التنظيم السياسي والاجتماعي المتكرر؛ فكل جيل لم يرث دولة مختلفة فحسب، بل ورث أيضًا ذاكرة مختلفة عن الدولة، وتجربة مختلفة معها، وطريقة مختلفة في التعامل مع السلطة.

ولهذا، فإن بناء الدولة العراقية اليوم لا ينبغي أن يعني إنشاء مؤسسات جديدة، أو تغيير القوانين، أو تشكيل حكومة جديدة فحسب، بل يحتاج، قبل ذلك، إلى إعادة بناء التراكم: تراكم الخبرة السياسية، والثقة بالمؤسسات، والموروث المهني، والثقافة القانونية، والمسؤولية الاجتماعية.

فالدولة لا تُبنى من الصفر مع كل جيل، والدولة الحقيقية هي التي يستطيع فيها الجيل الجديد أن يرث خبرة الجيل السابق، لا أن يبدأ تجربته من جديد.

وربما تكون هذه إحدى أهم مشكلات العراق في القرن الأخير: أربعة أجيال عاشت تغيرات كبرى، لكن لم تُتح لها فرصة زمنية طويلة لتحويل هذه التجارب إلى تراكم مستقر، يُعاد إنتاجه اجتماعيًا ومؤسساتيًا.

ومن هنا، فإن أزمة العراق ليست أزمة نظام سياسي فحسب، وإنما قد تكون، في جانب منها، أزمة تراكم تاريخي. ويمكن القول إن العراق لم يعانِ من انقطاع الدولة وحده، بل عانى أيضًا من انقطاع انتقال خبرة الدولة من جيل إلى جيل.

✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال تفسيرًا مختلفًا لأزمة الدولة العراقية، متجاوزًا تعاقب الأنظمة إلى ما خلّفته التحولات المتكررة من انقطاع في الخبرة المؤسسية بين الأجيال. وتكمن أهمية الطرح في تنبيهه إلى أن الدولة لا تستقر بتغيير القوانين والحكومات وحده، بل باستمرار التقاليد المهنية والقانونية وتراكم الثقة بالمؤسسات. فالعراق، وفق هذه القراءة، لم يخسر استقرار أنظمته فقط، وإنما خسر مرارًا فرصة تحويل تجربة الدولة إلى موروث اجتماعي راسخ.

تاريخ_العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!