استبشر العراقيون خيرًا، وانفتحت أساريرهم عندما بدأت الحكومة العراقية الجديدة حملةً للقبض على الفاسدين وناهبي المال العام، آملين الخلاص من حالة الخراب التي أحدثتها الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد التغيير، وفق منهجيتها في بناء عروشها الشخصية والحزبية على حساب الدولة، حتى استُهلكت الموازنات المالية الضخمة من دون بناء حقيقي للمفاصل المهمة التي تجعل من العراق دولة فعلية يعيش فيها المواطن بكرامة ورفاهية.
لكن المتابع يجد أن هذه الصولة قد توقفت وخفت بريقها، وبدأ أمل العراقيين يتلاشى مرة أخرى في وجود حملة حقيقية لمحاربة الفساد وإصلاح الوضع السياسي البائس؛ فيبدو أنها كانت جولة وليست صولة.
وفي هذا الصدد نتساءل: هل جرت هذه الجولة لحسابات سياسية معينة، كما يعتقد كثيرون؟ أم كانت خطوة لإيهام الرأي العام بقوة الحكومة وجديتها؟ أم أنها خطوة اتخذتها رئاسة الحكومة لاستعراض قوتها أمام الكتل السياسية وإثبات وجودها، عبر استهداف بعض رجالاتها من الخطوط الثانوية؟
وهل أوصلت الكتل السياسية رسالة تحذير إلى الحكومة للكف عن استهداف رجالاتها، فاستجابت لضغوطها وتخلت عن هذا الملف؟
وهل كان للعامل الخارجي دور في تلك الخطوة، أم إنها نابعة من صميم قناعة رئاسة الحكومة بضرورة مكافحة الفساد، بوصفها جزءًا مهمًّا من المنهاج السياسي الذي تبنته؟ وغيرها من التساؤلات التي تشغل جانبًا من حديث الشعب العراقي واهتمامه.
فإذا كانت الحكومة جادة في هذا الاتجاه، فعليها الاستمرار في جولات أخرى لكشف ملفات الفساد، وعدم التراخي مهما كانت الضغوط؛ لأن مكافحة الفساد، ولا سيما السياسي منه، تمثل خطوة أولى وأساسية للإصلاح وحماية المال العام، واستثماره في تقديم الخدمات للمواطنين بدلًا من أن تبتلعه حيتان الأحزاب. وينبغي للحكومة أن تركز على أمرين مهمين:
عدم مجاملة رجال الخط الأول في الطبقة السياسية إذا ثبتت بالأدلة إدانتهم بالفساد.
الاهتمام بمكافحة الفساد الممنهج الذي تمارسه شبكات تابعة لأغلب الأحزاب، بهدف الاستحواذ على أكبر قدر من المال العام، عبر اقتصاديات الوزارات والشركات الوهمية والابتزاز وبيع المناصب وتقاضي العمولات «الكوميشنات» وغيرها من الأساليب.
إن الفساد الممنهج أخطر من الفساد الفردي؛ لأنه يمثل وسيلة لتجذّر هذه الأحزاب، وإدامة سيطرتها، وشراء الأصوات الانتخابية، والتأثير في توجهات المواطنين وآرائهم من خلال الإعلام الممول والجيوش الإلكترونية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!