كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الچاسر... و«في الضحى» حين كان يجمعنا

ثمة مفردات في حياتنا أيام زمان لم تكن تبدو ذات شأن حين كنا نعيشها في لحظتها، لكنها تكبر في الذاكرة كلما ابتعد بنا الزمن عنها.

ولعل من بين تلك المفردات «الچواسر» و«في الضحى»؛ حيث ذلك الظل الذي كان يصنعه البيت، فنرنو إليه حين تميل الشمس إلى الارتفاع، لتتحول فسحة الظل ساعتذاك إلى مجلس چاسر عامر بالأنس والحكايات.

كان للضحى أيام زمان طعم آخر؛ فحين تبدأ حرارة الشمس بالاشتداد، يكون ظل البيت قد أصبح مقصداً محبباً. وهناك، في الچاسر، يجلس الكبار متكئين إلى جدار البيت، وقد تركوا لأجسادهم فسحة من الراحة. فلا مقاعد فاخرة، ولا وسائل ترف، ولا أجهزة تبريد، وإنما مجرد ظل تصنعه جدران البيت، ونسمة عابرة، وماء جرّة بارد، وشاي الضحى، وحديث مؤنس لا ينتهي.

وهكذا كانت الچواسر مدرسة شفوية مفتوحة، انطلاقاً من قاعدة «المجالس مدارس»؛ ففيها يتعلم الصغير من الكبير، ويتعرف إلى العادات والتقاليد، ويستمع إلى الأمثال والحكايات، ويتعلم كيف يكون الحديث، وكيف يكون الإصغاء، وكيف تُحفَظ مكانة الكبير.

ولم يكن الظل يومذاك مجرد مساحة تحجب أشعة الشمس، بل كان مكاناً يجتمع فيه الناس. فالبيت لم يكن مغلقاً على أهله، كما هي حال كثير من بيوت اليوم، وإنما كان ظله امتداداً للحياة الاجتماعية.

فقد يمر جار فيلقي السلام ويجلس، وقد يأتي قريب بلا موعد فيجد له مكاناً في المجلس، وربما مرّ عابر سبيل فأدركه ظل البيت، فكان له فيه نصيب من الماء والراحة والكلمة الطيبة. لقد كانت البساطة يومذاك تصنع أشياء كثيرة نفتقدها الآن؛ حياة بسيطة، لكنها كانت زاخرة بالمعنى.

واليوم، حين نستذكر الچاسر و«في الضحى»، فإننا لا نستحضر وقتاً من ساعات النهار فحسب، وإنما نستحضر عالماً كاملاً من العلاقات والذكريات. نستحضر وجوهاً ربما غاب أصحابها، وأصواتاً لم تعد تُسمع، وبيوتاً تغيرت معالمها، وأمكنة كانت عامرة بالأهل والجيران، ثم صارت صامتة إلا من ذكريات الذين عرفوها.

ولذلك، فإن الچواسر ليست مجرد مفردة من مفردات المكان الشعبي، بل هي ذاكرة ظلّ جمع الناس وحفظ أحاديثهم، وبقي شاهداً صامتاً على تفاصيل حياة لم تكن تمتلك كثيراً من وسائل الراحة، لكنها كانت تمتلك الكثير من دفء العلاقات الإنسانية.

لقد تغيّر كل شيء تقريباً؛ فأصبحت البيوت أكثر حداثة، وصار الظل يصنعه المكيّف، وأصبح اللقاء يتم عبر الهواتف والشاشات الزرقاء. وهنا تكمن مفارقة الزمن؛ فقد كسبنا الكثير من وسائل الراحة، لكننا خسرنا دفء تلك الجلسات الشيّقة التي كانت تصنع الألفة من دون موعد، ومن دون تكلّف، ومن دون أن يدعو أحدٌ أحداً إلى الحضور.

كان يكفي أن يكون هناك ظل بيت و«في الضحى» ليأتي الناس، وتبدأ الحكايات، وتتعانق الذكريات، ويمضي الوقت ببطء، من دون أن يشعر أحد بأنه قد ضاع.

ولعلنا لهذا السبب، كلما تقدّم بنا العمر، تأخذنا الذاكرة إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي لم نكن نعرف قيمتها يوم عشناها؛ لا لأننا نريد العودة إلى الماضي كما كان، بل لأننا نريد استعادة شيء من روحه؛ روح ذلك الزمن الذي كان للبيت فيه ظل، وللظل مجلس، وللمجلس رَبْع، وللرَّبع حكايات.

وهكذا تبقى «الچواسر» و«في الضحى» أكثر من مجرد صورة عابرة في ذاكرة المكان؛ إنهما مشهد من الموروث الشعبي الحي، تختصره جدران بيت طيني قديم، وظل وارف، وحكايات كانت تبدأ مع الضحى، ثم تبقى في الذاكرة مدى العمر.

✦كتابات في الميزان✦

يستعيد المقال مفردة «الچاسر» بوصفها ذاكرة اجتماعية تتجاوز حدود المكان، حيث كان ظل البيت مجلساً تلقائياً يجمع الأهل والجيران وعابري السبيل. ويكشف النص، بلغته الحنينية الدافئة، أن بساطة البيوت القديمة لم تكن فقراً في الحياة، بل غنىً في العلاقات والألفة والتواصل الإنساني. إنها رؤية أخرى تضع حداثة المكان في مواجهة عزلة الإنسان، وتتساءل عمّا ربحناه من وسائل الراحة وما خسرناه من دفء المجالس.

الجاسر.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!