كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

تلوث البيئة.. عبثية الاستخدام وغياب الترشيد

 استطاع الإنسان أن يحقق في العصر الحديث تقدماً علمياً وتقنياً هائلاً، لكنه أصبح، في المقابل، أكثر قدرة على استنزاف موارد الطبيعة، والإخلال بتركيبها، وتلويثها.

فالمصانع تقذف الغازات والمطروحات، والمركبات تنشر الانبعاثات، والمخلفات الصناعية تأخذ طريقها إلى التربة والمياه، فيما تتراكم النفايات المنزلية والاستهلاكية اليومية في المدن والمناطق السكنية.

ولم يعد الهواء، هو الآخر، بمنأى عن هذا العبث والتلوث؛ فالدخان والغازات الناتجة عن مطروحات المصانع، ومصافي النفط، ووسائل النقل، ومحطات الطاقة، وحرق النفايات وغيرها، تسهم في تدهور نوعيته على نحو مقلق، في حين تتعرض الأنهار والبحار للتلوث بالمخلفات الصناعية والمطروحات المنزلية والنفايات البلاستيكية، الأمر الذي يهدد التنوع الحيوي وصحة الإنسان بالمزيد من المخاطر.

وتبقى النفايات اليومية أحد أبرز مظاهر المشكلة، فالاستهلاك المفرط، والاستخدام السريع للمنتجات، ثم التخلص منها دون إدارة سليمة، يحولها إلى عبء متراكم على البيئة، ولا سيما المواد التي يصعب تحللها والتخلص منها.

ولا شك أن آثار التلوث لها انعكاساتها السلبية في تغير المناخ؛ فالانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود والأنشطة الصناعية تسهم في زيادة نسب الغازات الدفيئة، وما يرافق ذلك من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والتصحر وتراجع الموارد المائية، بما يهدد الأمن الغذائي والمائي والاجتماعي على حد سواء.

ويأتي ذلك مصداقاً لقول الله تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

ولا ريب أن حماية البيئة مسؤولية جمعية مشتركة، بدءاً بالتشريع والرقابة، ومروراً بالمؤسسات والمصانع، وانتهاءً بالسلوك اليومي الرشيد للأفراد.

ولذلك فإن إلقاء النفايات عشوائياً، وحرقها، وإهدار المياه، والإفراط في استهلاكها، ممارسات سلبية تتحول بتكرارها إلى مشكلة بيئية قد يصعب، مع تراكمها، التعامل معها ومعالجتها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ثقافة بيئية واعية تجعل المحافظة على الطبيعة سلوكاً يومياً معتمداً، وإلى تنمية مستدامة تقوم على الطاقة النظيفة، وإدارة النفايات، وإعادة التدوير، والتشجير، وترشيد استهلاك المياه، وتطبيق المعايير البيئية بجدية وكفاءة، من أجل حماية البيئة وحماية الإنسان.

✦ كتابات في الميزان ✦

يضع المقال التلوث في سياقه الأوسع، فلا يختزله في دخان المصانع أو أكوام النفايات، بل يربطه بثقافة الاستهلاك وسوء استخدام الموارد وغياب الترشيد. ويكتسب النص أهميته من انتقاله من تشخيص المشكلة إلى الدعوة لمسؤولية مشتركة تبدأ من التشريع ولا تنتهي عند سلوك الفرد. الرسالة الأبرز فيه أن حماية البيئة ليست ترفاً، بل حماية مباشرة للإنسان ومستقبله.

التلوث.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!