كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المبادرة القطرية لأزمة هرمز 

 يبدو المشهد في الملف الإيراني محكوماً بمأزق مزدوج. فمن جهة، لم تتمكن الضغوط العسكرية من إنتاج نهاية سياسية حاسمة، فيما يحمل أي تصعيد مباشر في الخليج كلفة مرتفعة على جميع الأطراف. وأظهرت التجارب السابقة قدرة طهران على امتصاص الضربات والرد بطريقة محسوبة، تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة من دون أن تقود في الوقت نفسه إلى تسوية.

ومن جهة أخرى، لم تحقق العقوبات الاقتصادية هدفها الأساسي المتمثل في دفع إيران إلى الاستسلام السريع. صحيح أنها ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني وأثرت في القدرة الشرائية، لكن طهران طورت خلال السنوات الماضية آليات للتكيف، من خلال تنويع شركائها التجاريين وتقليص اعتمادها على النظام المالي الغربي. وهكذا تحول "الصمود" الإيراني من مجرد وسيلة للبقاء إلى ورقة في أي تفاوض مقبل.

في ظل هذا المأزق، تبدو المحاولات الدبلوماسية للبحث عن مداخل جديدة أكثر أهمية. وفي هذا السياق تأتي المبادرة القطرية، التي تحاول البناء على المسار الذي فتحته سلطنة عُمان سابقاً مع إيران بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

المسار العُماني انطلق من ملف عملي ومحدود: تقليل احتمالات الاحتكاك العسكري في واحد من أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالمياً. ولم يكن معنياً مباشرة بالملفات الكبرى، كالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.

أما الطرح القطري فيحاول توسيع هذه الفكرة، وتحويل التفاهم الملاحي المحدود إلى خطوة أولى لبناء الثقة. فإذا أمكن تثبيت قواعد واضحة لحركة السفن وتقليل احتمالات الحوادث والمواجهات في المضيق، فقد يتوفر مناخ أكثر هدوءاً يسمح باستئناف حوار مباشر أو غير مباشر بين واشنطن وطهران.

وتملك قطر، في هذا المسار، بعض عناصر القوة التي تؤهلها للوساطة. فهي تحتفظ بقنوات اتصال مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تمتلك خطوطاً مفتوحة مع إيران. كما أن سياستها الخارجية اعتمدت في ملفات إقليمية عدة على الوساطة وإدارة الأزمات بدلاً من الانخراط المباشر في المواجهات.

لكن الطريق ليس سهلاً. فقد ترى واشنطن أن أي تفاوض يبدأ من أمن الملاحة ويتجاوز الملف النووي يعني خفض سقف المطالب الأمريكية. وفي المقابل، قد تخشى طهران من أن تتحول التفاهمات الملاحية إلى مدخل لممارسة ضغوط جديدة عليها من دون الحصول على مقابل واضح، خصوصاً في ملف العقوبات.

لذلك لا تبدو المبادرة القطرية مشروعاً لتسوية شاملة بقدر ما تبدو محاولة لاختبار مدخل مختلف: التهدئة أولاً ثم التفاوض.

وهذه ربما هي النقطة الأهم. فالملفات الكبرى بين واشنطن وطهران أصبحت من التعقيد بحيث يصعب حلها في صفقة واحدة. أما الملفات المحدودة، مثل أمن الملاحة ومنع الاحتكاك العسكري، فيمكن أن تكون أكثر قابلية للاتفاق، وقد تتحول تدريجياً إلى جسور نحو الملفات الأصعب.

نجاح المبادرة، في النهاية، لن يتوقف على الوسيط وحده، بل على استعداد الطرفين لقبول فكرة أن خفض التوتر ليس تنازلاً، وأن الاتفاق على ملف صغير لا يعني التخلي عن الملفات الاستراتيجية. فقد يكون مضيق هرمز، الذي كان طوال السنوات الماضية أحد أخطر نقاط الصدام، هو نفسه المدخل الذي تبدأ منه محاولة جديدة للتفاوض.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقرأ المقال المبادرة القطرية بوصفها محاولة واقعية لكسر الجمود بين واشنطن وطهران، عبر البدء بملف محدود وقابل للتفاهم هو أمن الملاحة في مضيق هرمز. فحين تعجز الضغوط العسكرية والعقوبات عن إنتاج تسوية، تصبح التهدئة التدريجية مدخلًا أقل كلفة لبناء الثقة. وتكمن قوة الطرح في إدراكه أن الاتفاقات الكبرى قد تبدأ بخطوات صغيرة، شرط أن يتعامل الطرفان مع خفض التصعيد بوصفه فرصةً لا تنازلًا. وتنسجم الفكرة مع المحادثات العُمانية–الإيرانية ودعم قطر للجهود الرامية إلى ضمان حرية الملاحة وتمهيد الطريق لتسوية أشمل.

هرمز.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!